السبت، 20 أغسطس 2022

« اتهام الزوجين بالزنا او شك بين الزوجين » الأحكام وماذا يجب فعله





الاتهام بالزنا

قالﷻ:  

﴿وَالَّذينَ يَرمونَ المُحصَنٰتِ ثُمَّ لَم يَأتوا بِأَربَعَةِ شُهَداءَ فَاجلِدوهُم ثَمٰنينَ جَلدَةً وَلا تَقبَلوا لَهُم شَهٰدَةًأَبَدًا وَأُولٰئِكَ هُمُ الفٰسِقونَ﴾ [النور: 4 - 4]

 قالﷻ:  

﴿إِنَّ الَّذينَ يَرمونَ المُحصَنٰتِ الغٰفِلٰتِ المُؤمِنٰتِ لُعِنوا فِى الدُّنيا وَالءاخِرَةِ وَلَهُم عَذابٌ عَظيمٌ﴾[النور: 23 - 23]


           ••́•̹͡-•̹͡-·͡ˑ·̫͡•̻̀••



قالﷻ: 

وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُوالَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ۝ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌرَحِيمٌ  ۝ } .

النور: 4 ـ 5 ] 



أحكام القرآن 

قذفُ المُحصَناتِ مِن أكبرِ الكبائرِ، وهو مِن المُوبِقاتِ المُهلِكاتِ لصاحِبِها؛ وذلك لِما يَلحَقُ المؤمِنينَ مِن أذًى، وأعظَمُ الأذىالقذفُ في العِرْضِ، وما يَتْبَعُهُ مِن طعنٍ في النَّسَبِ، وزُهْدِ الناسِ في القُرْبِ مِن المقذوفِ، وتَعدِّي ذلك إلى أهلِهِ وولدِهِ ومَنِاتصَلَ به بسببٍ ونَسَبٍ؛ ولهذا قدَّرَ اللهُ على بعضِ نِسَاءِ الأنبياءِ الكُفْرَ، ولكنَّه لم يُقدِّرْ على واحدةٍ منهنَّ العَهْرَ؛ لأنَّ العَهْرَيتعدَّى إلى عِرْضِ الزوجِ، والكفرُ لازمٌ لمَن كفَرَ لا يتعدَّى إلى أهلِهِ؛ ولذا عَدَّ النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم قَذْفَ المُحصَناتِ مِنالمُوبِقاتِ؛ كما في «الصحيحَيْنِ»؛ من حديثِ أبي هريرة؛ قال صلّى الله عليه وسلّم: (اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ) ، قَالُوا: يَارَسُولَ اللهِ، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: (الشِّرْكُ بِاللهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ، وَالتَّوَلِّييَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ الغَافِلاَتِ).

والحِكْمةُ في عدمِ ذِكْرِ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم (الزِّنى) مِن السَّبْعِ المُوبِقاتِ في حديثِ أبي هريرةَ: أنَّه ذكَر قَذْفَالمُحصَناتِ به؛ للدَّلالةِ على بشاعتِه؛ فإنَّ مجرَّدَ القذفِ به مُوبِقٌ ومُهلِكٌ، فكيف بالوقوعِ فيه؟فاتِّهامُ بريءٍ به مِن السَّبْعِالمُوبِقاتِ، فكيف لو زَنى القاذفُ نفسُه؟وهذا نظيرُ اتهامِ أحدٍ بالكفرِ وهو بريءٌ منه، فهو عظيمٌ، ووقوعُ القاذفِ في الكفرِأعظَمُ مِن ذلك.

القذفُ الصَّرِيحُ والكنايةُ:

لا يختلِفُ الفقهاءُ على أنَّ القذفَ الصريحَ يُقامُ فيه الحَدُّ كالرميِ بالزِّنى، وإنَّما اختلَفُوا في إقامتِهِ على القذفِ غيرِالصريحِ؛ وذلك لاختلافِ الناسِ في مُرادِ المتكلِّمِ وفهمِ السامعِ له؛ فإنَّ ألفاظَ الكنايةِ تختلِفُ في قُرْبِها مِن الصريحِ؛ فليستْمتطابِقةً في مُرادِ السامعِ ولا في مُرادِ المتكلِّمِ، ويختلِفُ الناسُ فيها مِن بلدٍ إلى بلدٍ؛ كالوصفِ بالعَهْرِ وعدمِ الشرَفِ ونحوِذلك ممَّا يَحتمِلُ معانيَ، منها الزِّنى، وقد اختلَفوا في ذلك على قولَيْنِ، هما روايتانِ عن أحمدَ:

فرأَى بعضُهم إقامةَ الحدِّ؛ وهو قولُ مالكٍ، وبه قَضَى عمرُ.

وذهَبَ أبو حنيفةَ والشافعيُّ: إلى عدمِ إقامةِ الحدِّ؛ وهؤلاء الذين يُسقِطونَ الحدَّ لا يُسقِطونَ التعزِيرَ بغيرِ الحدِّ بحسَبِ مايَراهُ الحاكمُ مِن زجرٍ وتأديبٍ.

والأظهَرُ: أنَّ الحاكمَ يُقِيمُ حدَّ القذفِ في قذفِ الكنايةِ إنْ غلَبَ استعمالُهُ بينَ الناسِ على الزِّنى، ما لم يكنْ في سياقِ القولِقرينةٌ تَصرِفُهُ عن الغالبِ؛ كمَن يتَّهِمُ غيرَهُ بعدَمِ الشرَفِ في سياقِ الحديثِ عن الرِّشْوةِ في الحقوقِ ونحوِ ذلك.

قذفُ الحُرَّةِ والأَمَةِ والكافِرةِ:

وحدُّ الحُرِّ في القذفِ ثمانونَ بلا خلافٍ، سواءٌ كان ذَكَرًا أو أُنثى.

ولا خلافَ أنَّ حدَّ القذفِ حقٌّ للمقذوفِ؛ وإنَّما يَختلِفونَ في إقامتِهِ لحقِّ اللهِ عندَ عفوِ صاحبِ الحقِّ:

والجمهورُ: أنَّه لا يُقامُ حتى يُطالِبَ المقذوفُ بحقِّه؛ لأنَّه حقٌّ له، تَلحَقُهُ مَعَرَّتُهُ، وله إسقاطُه؛ وبهذا قال الشافعيُّ وأحمدُ.

ولا خلافَ أنَّ الحدَّ لا يسقُطُ بتوبةِ القاذفِ قبلَ طلبِ المقذوفِ.

وقيَّد اللهُ الحدَّ على قاذفِ المُحصَناتِ، وليس على مَن قذَفَ غيرَهُنَّ، وقد تقدَّم الكلامُ على مَعاني الإحصانِ عندَ قولِهِ تعالى:{وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: 24 ] ، وذكَرْنا أنَّه يُطلَقُ على الإسلامِ والعَفافِ والحريَّةِ والنِّكاحِ،والمرادُ به هنا هو العِفَّةُ بلا خلافٍ؛ وإنَّما اختُلِفَ في إرادةِ بعضِ مَعاني الإحصانِ الأُخرى ـ كالإسلامِ والحريَّةِ ـ في آيةِ حدِّالقذفِ للمُحصَناتِ ـ على قولَيْنِ:

القولُ الأولُ : أنَّ الحريَّةَ والإسلامَ مقصودانِ في هذه الآيةِ؛ وبهذا قال جمهورُ العلماءِ، وقد قَيَّدَ اللهُ القذفَ بالإيمانِ في قولِهِتعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاَتِ الْمُؤْمِنَاتِ} [النور: 23 ] ، فذِكْرُهُ للإيمانِ للدَّلالةِ على الإسلامِ، وذِكرُهُ للغَفْلةِللدَّلالةِ على العفافِ، ودَلَّ ذلك على أنَّه أرادَ بالإحصانِ في قولِه: {الْمُحْصَنَاتِالحريَّةَ، وقد رَوَى عليُّ بنُ أبي طَلْحةَ، عن ابنِعبَّاسٍ؛ أنَّه فسَّر المُحصَناتِ في الآيةِ بالحرائرِ.

ويُروى في الحديثِ: (مَنْ أَشْرَكَ بِاللهِ، فَلَيْسَ بِمُحْصَنٍ) ؛ رواهُ الدارقطنيُّ؛ مِن حديثِ ابنِ عمرَ، وهو متكلَّمٌ في رفعِه.

القولُ الثاني : أنَّ الحريَّةَ والإسلامَ غيرُ مُرادَيْنِ؛ وبهذا قال مالكٌ.

وعلى هذَيْنِ القولَيْنِ يتفرَّعُ عندَ أصحابِهما القولُ بحدِّ قاذفِ الأَمَةِ والكافرةِ.

والعبدُ والأَمَةُ يُجلَدانِ في القذفِ نِصْفَ حدِّ الحُرِّ والحُرَّةِ، وعلى هذا الأئمَّةُ الأربعةُ، خلافًا للأوزاعيِّ وأبي ثورٍ وأهلِالظاهرِ.

قولُه تعالى: {وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا: فيه زجرٌ للقاذفِ وردعٌ له، حينَما وقَعَ في أعظَمِ ما يختَصُّ بعِرْضِ الإنسانِوشَرَفِه، ولا يختلِفُ العلماءُ في أنَّ شهادتَهُ مردودةٌ قبلَ توبتِه؛ لأنَّه أسقَطَ عدالتَهُ بقَذْفِه.

شهادةُ القاذفِ بعد توبتِهِ:

ويختلِفُ العلماءُ في قَبُولِ شهادتِهِ بعدَ توبتِه، والجمهورُ على قَبُولِها بعدَ توبتِه، خلافًا لأبي حنيفةَ؛ حيثُ أسقَطَها مطلَقًا؛لظاهرِ قولِه: {أَبَدًا، ولكنَّ هذا الإطلاقَ قُيِّدَ بعدَهُ بقولِه: {إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا؛ والاستثناءُ عائدٌ علىالشهادةِ والفسقِ جميعًا.

ويُشترَطُ للتوبةِ إظهارُها بعملٍ صالحٍ، وأمَّا حديثُ: (لاَ تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ، وَلاَ مَحْدُودٍ فِي الإِْسْلاَمِ، وَلاَ ذِي غِمْرٍ عَلَى أَخِيهِ)، فقد رواهُ أحمدُ وغيرُهُ؛ مِن حديثِ عمرِو بنِ شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، ولا يصحُّ، والرُّواةُ عن عمرٍو متكلَّمٌ فيهم، ولو صحَّفهو كعمومِ الآيةِ يُقيَّدُ بزوالِ العلةِ، وهي عدمُ التوبةِ.

وبقَبُولِ شهادتِهِ بعدَ توبتِه أخَذَ عمرُ بنُ الخطَّابِ وابنُ عبَّاسٍ وابنُ المسيَّبِ وعطاءٌ وطاوُسٌ ومجاهدٌ والشَّعْبيُّ وقتادةُ.

وذهَب إلى عدمِ قَبُولِها مِن السلفِ ما دام حيًّا وإنْ تابَ: سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ والحسَنُ ومكحولٌ والنخَعيُّ.

ومَن لم يَقبَلْ شهادةَ القاذفِ أبدًا، جعَلَ الاستثناءَ في الآيةِ عائدًا على الفسقِ فقطْ.



تفسير القرطبي الجامع لأحكام القرآن 

فِيهَا اِثْنَتَيْ عَشْرَة مَسْأَلَة الْأُولَى : هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ فِي الْقَاذِفِينَ . قَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر : كَانَ سَبَبهَا مَا قِيلَ فِي عَائِشَة أُمّالْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّه عَنْهَا . وَقِيلَ : بَلْ نَزَلَتْ بِسَبَبِ الْقَذَفَة عَامًّا لَا فِي تِلْكَ النَّازِلَة . وَقَالَ اِبْن الْمُنْذِر : لَمْ نَجِد فِي أَخْبَار رَسُولاللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَبَرًا يَدُلّ عَلَى تَصْرِيح الْقَذْف , وَظَاهِر كِتَاب اللَّه تَعَالَى مُسْتَغْنًى بِهِ دَالًّا عَلَى الْقَذْف الَّذِي يُوجِبالْحَدّ , وَأَهْل الْعِلْم عَلَى ذَلِكَ مُجْمِعُونَ .

الثَّانِيَة : " وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ " يُرِيد يَسُبُّونَ , وَاسْتُعِيرَ لَهُ اِسْم الرَّمْي لِأَنَّهُ إِذَايَة بِالْقَوْلِ كَمَا قَالَ النَّابِغَة : وَجُرْح اللِّسَان كَجُرْحِالْيَد وَقَالَ آخَر : رَمَانِي بِأَمْرٍ كُنْت مِنْهُ وَوَالِدِي بَرِيئًا وَمِنْ أَجْل الطَّوِيّ رَمَانِي وَيُسَمَّى قَذْفًا ; وَمِنْهُ الْحَدِيث : إِنَّ اِبْن أُمَيَّة قَذَفَاِمْرَأَته بِشَرِيكِ بْن السَّحْمَاء ; أَيْ رَمَاهَا .

الثَّالِثَة : ذَكَرَ اللَّه تَعَالَى فِي الْآيَة النِّسَاء مِنْ حَيْثُ هُنَّ أَهَمّ , وَرَمْيهنَّ بِالْفَاحِشَةِ أَشْنَع وَأَنْكَى لِلنُّفُوسِ . وَقَذْف الرِّجَال دَاخِلفِي حُكْم الْآيَة بِالْمَعْنَى , وَإِجْمَاع الْأُمَّة عَلَى ذَلِكَ . وَهَذَا نَحْو نَصّه عَلَى تَحْرِيم لَحْم الْخِنْزِير وَدَخَلَ شَحْمه وَغَضَارِيفه , وَنَحْو ذَلِكَ بِالْمَعْنَى وَالْإِجْمَاع . وَحَكَى الزَّهْرَاوِيّ أَنَّ الْمَعْنَى : وَالْأَنْفُس الْمُحْصَنَات ; فَهِيَ بِلَفْظِهَا تَعُمّ الرِّجَال وَالنِّسَاء , وَيَدُلّعَلَى ذَلِكَ قَوْله : " وَالْمُحْصَنَات مِنْ النِّسَاء " . [ النِّسَاء : 24 ] . وَقَالَ قَوْم : أَرَادَ بِالْمُحْصَنَاتِ الْفُرُوج ; كَمَا قَالَ تَعَالَى : "وَاَلَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجهَا " [ الْأَنْبِيَاء : 91 ] فَيَدْخُل فِيهِ فُرُوج الرِّجَال وَالنِّسَاء . وَقِيلَ : إِنَّمَا ذَكَرَ الْمَرْأَة الْأَجْنَبِيَّة إِذَا قُذِفَتْلِيَعْطِفَ عَلَيْهَا قَذْف الرَّجُل زَوْجَته ; وَاَللَّه أَعْلَم . وَقَرَأَ الْجُمْهُور " الْمُحْصَنَات " بِفَتْحِ الصَّاد , وَكَسَرَهَا يَحْيَى بْن وَثَّاب . وَالْمُحْصَنَات الْعَفَائِف فِي هَذَا الْمَوْضِع . وَقَدْ مَضَى فِي " النِّسَاء " ذِكْر الْإِحْصَان وَمَرَاتِبه . وَالْحَمْد لِلَّهِ .

الرَّابِعَة : لِلْقَذْفِ شُرُوط عِنْد الْعُلَمَاء تِسْعَة : شَرْطَانِ فِي الْقَاذِف , وَهُمَا الْعَقْل وَالْبُلُوغ ; لِأَنَّهُمَا أَصْلَا التَّكْلِيف , إِذْ التَّكْلِيفسَاقِط دُونهمَا . وَشَرْطَانِ فِي الشَّيْء الْمَقْذُوف بِهِ , وَهُوَ أَنْ يَقْذِف بِوَطْءٍ يَلْزَمهُ فِيهِ الْحَدّ , وَهُوَ الزِّنَى وَاللِّوَاط ; أَوْ بِنَفْيِهِ مِنْأَبِيهِ دُون سَائِر الْمَعَاصِي . وَخَمْسَة مِنْ الْمَقْذُوف , وَهِيَ الْعَقْل وَالْبُلُوغ وَالْإِسْلَام وَالْحُرِّيَّة وَالْعِفَّة عَنْ الْفَاحِشَة الَّتِي رُمِيَ بِهَاكَانَ عَفِيفًا مِنْ غَيْرهَا أَمْ لَا . وَإِنَّمَا شَرَطْنَا فِي الْمَقْذُوف الْعَقْل وَالْبُلُوغ كَمَا شَرَطْنَاهُمَا فِي الْقَاذِف وَإِنْ لَمْ يَكُونَا مِنْ مَعَانِيالْإِحْصَان لِأَجْلِ أَنَّ الْحَدّ إِنَّمَا وُضِعَ لِلزَّجْرِ عَنْ الْإِذَايَة بِالْمَضَرَّةِ الدَّاخِلَة عَلَى الْمَقْذُوف , وَلَا مَضَرَّة عَلَى مَنْ عَدِمَ الْعَقْل وَالْبُلُوغإِذْ لَا يُوصَف اللِّوَاط فِيهِمَا وَلَا مِنْهُمَا بِأَنَّهُ زِنًى .

الْخَامِسَة : اِتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّهُ إِذَا صَرَّحَ بِالزِّنَى كَانَ قَذْفًا وَرَمْيًا مُوجِبًا لِلْحَدِّ , فَإِنْ عَرَّضَ وَلَمْ يُصَرِّح فَقَالَ مَالِك : هُوَ قَذْفوَقَالَ الشَّافِعِيّ وَأَبُو حَنِيفَة : لَا يَكُون قَذْفًا حَتَّى يَقُول أَرَدْت بِهِ الْقَذْف . وَالدَّلِيل لِمَا قَالَهُ مَالِك هُوَ أَنَّ مَوْضُوع الْحَدّ فِيالْقَذْف إِنَّمَا هُوَ لِإِزَالَةِ الْمَعَرَّة الَّتِي أَوْقَعَهَا الْقَاذِف بِالْمَقْذُوفِ , فَإِذَا حَصَلَتْ الْمَعَرَّة بِالتَّعَرُّضِ وَجَبَ أَنْ يَكُون قَذْفًا كَالتَّصْرِيحِوَالْمُعَوَّل عَلَى الْفَهْم ; وَقَدْ قَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ شُعَيْب : " إِنَّك لَأَنْتَ الْحَلِيم الرَّشِيد " [ هُود : 87 ] أَيْ السَّفِيه الضَّالّ ; فَعَرَّضُوا لَهُ بِالسَّبِّ بِكَلَامٍ ظَاهِرُهُ الْمَدْح فِي أَحَد التَّأْوِيلَات , حَسْبَمَا تَقَدَّمَ فِي " هُود " . وَقَالَ تَعَالَى فِي أَبِي جَهْل : " ذُقْإِنَّك أَنْتَ الْعَزِيز الْكَرِيم " [ الدُّخَان : 49 ] . وَقَالَ حِكَايَة عَنْ مَرْيَم : " يَا أُخْت هَارُون مَا كَانَ أَبُوك اِمْرَأَ سَوْء وَمَا كَانَتْ أُمّكبَغِيًّا " [ مَرْيَم : 28 ] ; فَمَدَحُوا أَبَاهَا وَنَفَوْا عَنْ أُمّهَا الْبِغَاء , أَيْ الزِّنَى , وَعَرَّضُوا لِمَرْيَمَ بِذَلِكَ ; وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى : "وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلهمْ عَلَى مَرْيَم بُهْتَانًا عَظِيمًا " [ النِّسَاء : 156 ] , وَكُفْرهمْ مَعْرُوف , وَالْبُهْتَان الْعَظِيم هُوَ التَّعْرِيض لَهَا ; أَيْمَا كَانَ أَبُوك اِمْرَأَ سَوْء وَمَا كَانَتْ أُمّك بَغِيًّا , أَيْ أَنْتَ بِخِلَافِهِمَا وَقَدْ أَتَيْت بِهَذَا الْوَلَد . وَقَالَ تَعَالَى : " قُلْ مَنْ يَرْزُقكُمْ مِنْالسَّمَوَات وَالْأَرْض قُلْ اللَّه وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لِعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَال مُبِين " [ سَبَأ : 24 ] ; فَهَذَا اللَّفْظ قَدْ فُهِمَ مِنْهُ أَنَّ الْمُرَاد بِهِ أَنَّالْكُفَّار عَلَى غَيْر هُدًى , وَأَنَّ اللَّه تَعَالَى وَرَسُوله عَلَى الْهُدَى ; فَفُهِمَ مِنْ هَذَا التَّعْرِيض مَا يُفْهَم مِنْ صَرِيحه . وَقَدْ حَبَسَ عُمَررَضِيَ اللَّه عَنْهُ الْحُطَيْئَة لَمَّا قَالَ : دَعْ الْمَكَارِم لَا تَرْحَل لِبُغْيَتِهَا وَاقْعُدْ فَإِنَّك أَنْتَ الطَّاعِم الْكَاسِي لِأَنَّهُ شَبَّهَهُ بِالنِّسَاءِ فِي أَنَّهُنَّيُطْعَمْنَ وَيُسْقَيْنَ وَيُكْسَوْنَ . وَلَمَّا سَمِعَ قَوْل النَّجَاشِيّ : قَبِيلَته لَا يَغْدِرُونَ بِذِمَّةٍ وَلَا يَظْلِمُونَ النَّاس حَبَّة خَرْدَل قَالَ : لَيْتَالْخِطَاب كَذَلِكَ ; وَإِنَّمَا أَرَادَ الشَّاعِر ضَعْف الْقَبِيلَة ; وَمِثْله كَثِير .

السَّادِسَة : الْجُمْهُور مِنْ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّهُ لَا حَدّ عَلَى مَنْ قَذَفَ رَجُلًا مِنْ أَهْل الْكِتَاب أَوْ اِمْرَأَة مِنْهُمْ . وَقَالَ الزُّهْرِيّ وَسَعِيد بْنالْمُسَيِّب وَابْن أَبِي لَيْلَى : عَلَيْهِ الْحَدّ إِذَا كَانَ لَهَا وَلَد مِنْ مُسْلِموَفِيهِ قَوْل ثَالِث : وَهُوَ أَنَّهُ إِذَا قَذَفَ النَّصْرَانِيَّة تَحْت الْمُسْلِمجُلِدَ الْحَدّ . قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : وَجُلّ الْعُلَمَاء مُجْمِعُونَ وَقَائِلُونَ بِالْقَوْلِ الْأَوَّل , وَلَمْ أُدْرِك أَحَدًا وَلَا لَقِيته يُخَالِف فِي ذَلِكَوَإِذَاقَذَفَ النَّصْرَانِيّ الْمُسْلِم الْحُرّ فَعَلَيْهِ مَا عَلَى الْمُسْلِم ثَمَانُونَ جَلْدَة ; لَا أَعْلَم فِي ذَلِكَ خِلَافًا .

السَّابِعَة : وَالْجُمْهُور مِنْ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ الْعَبْد إِذَا قَذَفَ حُرًّا يُجْلَد أَرْبَعِينَ ; لِأَنَّهُ حَدّ يَتَشَطَّر بِالرِّقِّ كَحَدِّ الزِّنَى . وَرُوِيَ عَنْاِبْن مَسْعُود وَعُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز وَقَبِيصَة بْن ذُؤَيْب يُجْلَد ثَمَانِينَ . وَجَلَدَ أَبُو بَكْر بْن مُحَمَّد عَبْدًا قَذَفَ حُرًّا ثَمَانِينَ ; وَبِهِ قَالَالْأَوْزَاعِيّاِحْتَجَّ الْجُمْهُور بِقَوْلِ اللَّه تَعَالَى : " فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْف مَا عَلَى الْمُحْصَنَات مِنْ الْعَذَاب " [ النِّسَاء :25 ] . وَقَالَ الْآخَرُونَ : فَهِمْنَا هُنَاكَ أَنَّ حَدّ الزِّنَى لِلَّهِ تَعَالَى , وَأَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ أَخَفّ فِيمَنْ قَلَّتْ نِعَم اللَّه عَلَيْهِ , وَأَفْحَش فِيمَنْعَظُمَتْ نِعَم اللَّه عَلَيْهِ . وَأَمَّا حَدّ الْقَذْف فَحَقّ لِلْآدَمِيِّ وَجَبَ لِلْجِنَايَةِ عَلَى عِرْض الْمَقْذُوف , وَالْجِنَايَة لَا تَخْتَلِف بِالرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةوَرُبَّمَا قَالُوا : لَوْ كَانَ يَخْتَلِف لَذُكِرَ كَمَا ذُكِرَ مِنْ الزِّنَى . قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : وَاَلَّذِي عَلَيْهِ عُلَمَاء الْأَمْصَار الْقَوْل الْأَوَّل , وَبِهِ أَقُول .

الثَّامِنَة : وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ الْحُرّ لَا يُجْلَد لِلْعَبْدِ إِذَا اِفْتَرَى عَلَيْهِ لِتَبَايُنِ مَرْتَبَتهمَا , وَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام : ( مَنْ قَذَفَمَمْلُوكه بِالزِّنَى أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدّ يَوْم الْقِيَامَة إِلَّا أَنْ يَكُون كَمَا قَالَ ) خَرَّجَهُ الْبُخَارِيّ وَمُسْلِموَفِي بَعْض طُرُقه : ( مَنْ قَذَفَعَبْده بِزِنًى ثُمَّ لَمْ يَثْبُت أُقِيمَ عَلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة الْحَدّ ثَمَانُونَ ) ذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيّقَالَ الْعُلَمَاء : وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ فِي الْآخِرَةلِارْتِفَاعِ الْمِلْك وَاسْتِوَاء الشَّرِيف وَالْوَضِيع وَالْحُرّ وَالْعَبْد , وَلَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ فَضْل إِلَّا بِالتَّقْوَى ; وَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ تَكَافَأَ النَّاس فِيالْحُدُود وَالْحُرْمَة , وَاقْتُصَّ مِنْ كُلّ وَاحِد لِصَاحِبِهِ إِلَّا أَنْ يَعْفُو الْمَظْلُوم عَنْ الظَّالِم . وَإِنَّمَا لَمْ يَتَكَافَئُوا فِي الدُّنْيَا لِئَلَّا تَدْخُلالدَّاخِلَة عَلَى الْمَالِكِينَ مِنْ مُكَافَأَتهمْ لَهُمْ , فَلَا تَصِحّ لَهُمْ حُرْمَة وَلَا فَضْل فِي مَنْزِلَة , وَتَبْطُل فَائِدَة التَّسْخِير ; حِكْمَة مِنْ الْحَكِيمالْعَلِيم , لَا إِلَه إِلَّا هُوَ .

التَّاسِعَة : قَالَ مَالِك وَالشَّافِعِيّ : مَنْ قَذَفَ مَنْ يَحْسِبهُ عَبْدًا فَإِذَا هُوَ حُرّ فَعَلَيْهِ الْحَدّ ; وَقَالَهُ الْحَسَن الْبَصْرِيّ وَاخْتَارَهُ اِبْنالْمُنْذِر . قَالَ مَالِك : وَمَنْ قَذَفَ أُمّ الْوَلَد حُدَّ وَرَوَى عَنْ اِبْن عُمَر وَهُوَ قِيَاس قَوْل الشَّافِعِيّ . وَقَالَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ : لَا حَدّ عَلَيْهِ .

الْعَاشِرَة : وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِيمَنْ قَالَ لِرَجُلٍ : يَا مَنْ وَطِئَ بَيْن الْفَخِذَيْنِ ; فَقَالَ اِبْن الْقَاسِم : عَلَيْهِ الْحَدّ ; لِأَنَّهُ تَعْرِيضوَقَالَأَشْهَب : لَا حَدّ فِيهِ ; لِأَنَّهُ نِسْبَة إِلَى فِعْل لَا يُعَدّ زِنًى إِجْمَاعًا .

الْحَادِيَةَ عَشْرَة : إِذَا رَمَى صَبِيَّة يُمْكِن وَطْؤُهَا قَبْل الْبُلُوغ بِالزِّنَى كَانَ قَذْفًا عِنْد مَالِك . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو ثَوْر :لَيْسَ بِقَذْفٍ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِزِنًى إِذْ لَا حَدّ عَلَيْهَا , وَيُعَزَّر . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَالْمَسْأَلَة مُحْتَمِلَة مُشْكِلَة , لَكِنَّ مَالِك طَلَبَ حِمَايَةعِرْض الْمَقْذُوف , وَغَيْره رَاعَى حِمَايَة ظَهْر الْقَاذِف ; وَحِمَايَة عِرْض الْمَقْذُوف أَوْلَى ; لِأَنَّ الْقَاذِف كَشَفَ سِتْره بِطَرَفِ لِسَانهفَلَزِمَهُ الْحَدّ . قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : وَقَالَ أَحْمَد فِي الْجَارِيَة بِنْت تِسْع : يُجْلَد قَاذِفهَا , وَكَذَلِكَ الصَّبِيّ إِذَا بَلَغَ عَشْرًا ضُرِبَ قَاذِفه . قَالَ إِسْحَاق : إِذَا قَذَفَ غُلَامًا يَطَأ مِثْله فَعَلَيْهِ الْحَدّ , وَالْجَارِيَة إِذَا جَاوَزَتْ تِسْعًا مِثْل ذَلِكَ . قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : لَا يُحَدّ مَنْ قَذَفَ مَنْلَمْ يَبْلُغ ; لِأَنَّ ذَلِكَ كَذِب , وَيُعَزَّر عَلَى الْأَذَىقَالَ أَبُو عُبَيْد : فِي حَدِيث عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّ اِمْرَأَة جَاءَتْهُ فَذَكَرَتْ أَنَّ زَوْجهَايَأْتِي جَارِيَتهَا فَقَالَ : إِنْ كُنْت صَادِقَة رَجَمْنَاهُ وَإِنْ كُنْت كَاذِبَة جَلَدْنَاك . فَقَالَتْ : رُدُّونِي إِلَى أَهْلِي غَيْرَى نَغِرَةقَالَ أَبُو عُبَيْد :فِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ الْفِقْه أَنَّ عَلَى الرَّجُل إِذَا وَاقَعَ جَارِيَة اِمْرَأَته الْحَدّ .

وَفِيهِ أَيْضًا إِذَا قَذَفَهُ بِذَلِكَ قَاذِف كَانَ عَلَى قَاذِفه الْحَدّ ; أَلَا تَسْمَع قَوْله : وَإِنْ كُنْت كَاذِبَة جَلَدْنَاكوَوَجْه هَذَا كُلّه إِذَا لَمْ يَكُنْالْفَاعِل جَاهِلًا بِمَا يَأْتِي وَبِمَا يَقُول , فَإِنْ كَانَ جَاهِلًا وَادَّعَى شُبْهَة دُرِئَ عَنْهُ الْحَدّ فِي ذَلِكَ كُلّه .

وَفِيهِ أَيْضًا أَنَّ رَجُلًا لَوْ قَذَفَ رَجُلًا بِحَضْرَةِ حَاكِم وَلَيْسَ الْمَقْذُوف بِحَاضِرٍ أَنَّهُ لَا شَيْء عَلَى الْقَاذِف حَتَّى يَجِيء فَيَطْلُب حَدّه ; لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي لَعَلَّهُ يُصَدِّقهُ ; أَلَا تَرَى أَنَّ عَلِيًّا عَلَيْهِ السَّلَام لَمْ يَعْرِض لَهَا .

وَفِيهِ أَنَّ الْحَاكِم إِذَا قُذِفَ عِنْده رَجُل ثُمَّ جَاءَ الْمَقْذُوف فَطَلَبَ حَقّه أَخَذَهُ الْحَاكِم بِالْحَدِّ بِسَمَاعِهِ ; أَلَا تَرَاهُ يَقُول : وَإِنْ كُنْت كَاذِبَةجَلَدْنَاك ; وَهَذَا لِأَنَّهُ مِنْ حُقُوق النَّاس .

قُلْت : اُخْتُلِفَ هَلْ هُوَ مِنْ حُقُوق اللَّه أَوْ مِنْ حُقُوق الْآدَمِيِّينَ ; وَسَيَأْتِيقَالَ أَبُو عُبَيْد : قَالَ الْأَصْمَعِيّ سَأَلَنِي شُعْبَة عَنْ قَوْل :غَيْرَى نَغِرَة ; فَقُلْت لَهُ : هُوَ مَأْخُوذ مِنْ نَغَر الْقِدْر , وَهُوَ غَلَيَانهَا وَفَوْرهَا ; يُقَال مِنْهُ : نَغِرَتْ تَنْغَر , وَنَغَرَتْ تَنْغِر إِذَا غَلَتْ . فَمَعْنَاهُ أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنَّ جَوْفهَا يَغْلِي مِنْ الْغَيْظ وَالْغَيْرَة لَمَّا لَمْ تَجِد عِنْده مَا تُرِيد . قَالَ : وَيُقَال مِنْهُ رَأَيْت فُلَانًا يَتَنَغَّر عَلَى فُلَانأَيْ يَغْلِي جَوْفه عَلَيْهِ غَيْظًا .

الثَّانِيَة عَشْرَة : مَنْ قَذَفَ زَوْجَة مِنْ أَزْوَاج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُدَّ حَدَّيْنِ ; قَالَهُ مَسْرُوق . قَالَهُ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَالصَّحِيحأَنَّهُ حَدّ وَاحِد ; لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى : " وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَات " الْآيَة , وَلَا يَقْتَضِي شَرَفهنَّ زِيَادَة فِي حَدّ مَنْ قَذَفَهُنَّ ; لِأَنَّشَرَف الْمَنْزِلَة لَا يُؤَثِّر فِي الْحُدُود , وَلَا نَقْصهَا يُؤَثِّر فِي الْحَدّ بِتَنْقِيصِ . وَاَللَّه أَعْلَم . وَسَيَأْتِي الْكَلَام فِيمَنْ قَذَفَ عَائِشَة رَضِيَاللَّه عَنْهَا , هَلْ يُقْتَل أَمْ لَا .

فِيهَا سَبْعَة مَسَائِل : 

الْأُولَى : الَّذِي يَفْتَقِر إِلَى أَرْبَعَة شُهَدَاء دُون سَائِر الْحُقُوق هُوَ الزِّنَى ; رَحْمَة بِعِبَادِهِ وَسَتْرًا لَهُمْ . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي سُورَة "النِّسَاء "

الثَّانِيَة : مِنْ شَرْط أَدَاء الشُّهُود الشَّهَادَة عِنْد مَالِك رَحِمَهُ اللَّه أَنْ يَكُون ذَلِكَ فِي مَجْلِس وَاحِد ; فَإِنْ اِفْتَرَقَتْ لَمْ تَكُنْ شَهَادَةوَقَالَ عَبْد الْمَلِك : تُقْبَل شَهَادَتهمْ مُجْتَمِعِينَ وَمُفْتَرِقِينَ . فَرَأَى مَالِك أَنَّ اِجْتِمَاعهمْ تَعَبُّد ; وَبِهِ قَالَ اِبْن الْحَسَن . وَرَأَى عَبْد الْمَلِكأَنَّ الْمَقْصُود أَدَاء الشَّهَادَة وَاجْتِمَاعهَا وَقَدْ حَصَلَ ; وَهُوَ قَوْل عُثْمَان الْبَتِّيّ وَأَبِي ثَوْر وَاخْتَارَهُ اِبْن الْمُنْذِر لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " ثُمَّلَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء " وَقَوْله : " فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ " [ النُّور : 13 ] وَلَمْ يَذْكُر مُفْتَرِقِينَ وَلَا مُجْتَمِعِينَ .

الثَّالِثَة : فَإِنْ تَمَّتْ الشَّهَادَة إِلَّا أَنَّهُمْ لَمْ يَعْدِلُوا ; فَكَانَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ وَالشَّعْبِيّ يَرَيَانِ أَنْ لَا حَدّ عَلَى الشُّهُود وَلَا عَلَىالْمَشْهُود ; وَبِهِ قَالَ أَحْمَد وَالنُّعْمَان وَمُحَمَّد بْن الْحَسَن . وَقَالَ مَالِك : إِذَا شَهِدَ عَلَيْهِ أَرْبَعَة بِالزِّنَى فَإِنْ كَانَ أَحَدهمْ مَسْقُوطًاعَلَيْهِ أَوْ عَبْدًا يُجْلَدُونَ جَمِيعًا . وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْرِيّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق فِي أَرْبَعَة عُمْيَان يَشْهَدُونَ عَلَى اِمْرَأَة بِالزِّنَى :يُضْرَبُونَ .

الرَّابِعَة : فَإِنْ رَجَعَ أَحَد الشُّهُود وَقَدْ رُجِمَ الْمَشْهُود عَلَيْهِ فِي الزِّنَى ; فَقَالَتْ طَائِفَة : يَغْرَم رُبْع الدِّيَة وَلَا شَيْء عَلَى الْآخَرِينَ . وَكَذَلِكَ قَالَ قَتَادَة وَحَمَّاد وَعِكْرِمَة وَأَبُو هَاشِم وَمَالِك وَأَحْمَد وَأَصْحَاب الرَّأْي . وَقَالَ الشَّافِعِيّ : إِنْ قَالَ عَمَدْت لِيُقْتَلَ ; فَالْأَوْلِيَاءبِالْخِيَارِ إِنْ شَاءُوا قَتَلُوا وَإِنْ شَاءُوا عَفَوْا وَأَخَذُوا رُبْع الدِّيَة , وَعَلَيْهِ الْحَدّ . وَقَالَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ : يُقْتَل , وَعَلَى الْآخَرِينَثَلَاثه أَرْبَاع الدِّيَة . وَقَالَ اِبْن سِيرِينَ : إِذَا قَالَ أَخْطَأْت وَأَرَدْت غَيْره فَعَلَيْهِ الدِّيَة كَامِلَة , وَإِنْ قَالَ تَعَمَّدْت قُتِلَ ; وَبِهِ قَالَ اِبْنشُبْرُمَة.

الْخَامِسَة : وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي حَدّ الْقَذْف هَلْ هُوَ مِنْ حُقُوق اللَّه أَوْ مِنْ حُقُوق الْآدَمِيِّينَ أَوْ فِيهِ شَائِبَة مِنْهُمَا ; الْأَوَّل - قَوْلأَبِي حَنِيفَة . وَالثَّانِي : قَوْل مَالِك وَالشَّافِعِيّ . وَالثَّالِث : قَالَهُ بَعْض الْمُتَأَخِّرِينَ . وَفَائِدَة الْخِلَاف أَنَّهُ إِنْ كَانَ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَىوَبَلَغَ الْإِمَام أَقَامَهُ وَإِنْ لَمْ يَطْلُب ذَلِكَ الْمَقْذُوف , وَنَفَعَتْ الْقَاذِف التَّوْبَة فِيمَا بَيْنه وَبَيْن اللَّه تَعَالَى , وَيَتَشَطَّر فِيهِ الْحَدّ بِالرِّقِّكَالزِّنَى . وَإِنْ كَانَ حَقًّا لِلْآدَمِيِّ فَلَا يُقِيمهُ الْإِمَام إِلَّا بِمُطَالَبَةِ الْمَقْذُوف , وَيَسْقُط بِعَفْوِهِ , وَلَمْ تَنْفَع الْقَاذِف التَّوْبَة حَتَّى يُحَلِّلهُالْمَقْذُوف .

السَّادِسَة : قَوْله تَعَالَى " بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء " قِرَاءَة الْجُمْهُور عَلَى إِضَافَة الْأَرْبَعَة إِلَى الشُّهَدَاء . وَقَرَأَ عَبْد اللَّه بْن مُسْلِم بْنيَسَار وَأَبُو زُرْعَة بْن عَمْرو بْن جَرِير " بِأَرْبَعَةٍ " ( التَّنْوِين ) " شُهَدَاء " . وَفِيهِ أَرْبَعَة أَوْجُه : يَكُون فِي مَوْضِع جَرّ عَلَى النَّعْتلِأَرْبَعَةٍ , أَوْ بَدَلًاوَيَجُوز أَنْ يَكُون حَالًا مِنْ نَكِرَة أَوْ تَمْيِيزًا ; وَفِي الْحَال وَالتَّمْيِيز نَظَر ; إِذْ الْحَال مِنْ نَكِرَة , وَالتَّمْيِيز مَجْمُوعوَسِيبَوَيْهِ يَرَى أَنَّهُ تَنْوِين الْعَدَد , وَتَرْك إِضَافَته إِنَّمَا يَجُوز فِي الشِّعْر . وَقَدْ حَسَّنَ أَبُو الْفَتْح عُثْمَان بْن جِنِّي هَذِهِ الْقِرَاءَةوَحَبَّبَ عَلَى قِرَاءَة الْجُمْهُورقَالَ النَّحَّاس : وَيَجُوز أَنْ يَكُون " شُهَدَاء " فِي مَوْضِع نَصْب بِمَعْنَى ثُمَّ لَمْ يُحْضِرُوا أَرْبَعَةشُهَدَاء .

السَّابِعَة : حُكْم شَهَادَة الْأَرْبَعَة أَنْ تَكُون عَلَى مُعَايَنَة يَرَوْنَ ذَلِكَ كَالْمِرْوَدِ فِي الْمُكْحُلَة ; عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي " النِّسَاء " فِي نَصّالْحَدِيث . وَأَنْ تَكُون فِي مَوْطِن وَاحِد ; عَلَى قَوْل مَالِك . وَإِنْ اِضْطَرَبَ وَاحِد مِنْهُمْ جُلِدَ الثَّلَاثَة ; كَمَا فَعَلَ عُمَر فِي أَمْر الْمُغِيرَةبْن شُعْبَة ; وَذَلِكَ أَنَّهُ شَهِدَ عَلَيْهِ بِالزِّنَى أَبُو بَكْرَة نُفَيْع بْن الْحَارِث وَأَخُوهُ نَافِع ; وَقَالَ الزَّهْرَاوِيّ : عَبْد اللَّه بْن الْحَارِث , وَزِيَادأَخُوهُمَا لِأُمٍّ وَهُوَ مُسْتَلْحَق مُعَاوِيَة , وَشِبْل بْن مَعْبَد الْبَجَلِيّ , فَلَمَّا جَاءُوا لِأَدَاءِ الشَّهَادَة وَتَوَقَّفَ زِيَاد وَلَمْ يُؤَدِّهَا , جَلَدَ عُمَرالثَّلَاثَة الْمَذْكُورِينَ .

الْجَلْد الضَّرْب . وَالْمُجَالَدَة الْمُضَارَبَة فِي الْجُلُود أَوْ بِالْجُلُودِ ; ثُمَّ اُسْتُعِيرَ الْجَلْد لَغِيزَ ذَلِكَ مِنْ سَيْف أَوْ غَيْرهوَمِنْهُ قَوْل قَيْسبْن الْخَطِيم : أُجَالِدهُمْ يَوْم الْحَدِيقَة حَاسِرًا كَأَنَّ يَدِي بِالسَّيْفِ مِحْرَاق لَاعِب " ثَمَانِينَ " نُصِبَ عَلَى الْمَصْدَر" جَلْدَة " تَمْيِيز.

هَذَا يَقْتَضِي مُدَّة أَعْمَارهمْ , ثُمَّ حُكِمَ عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُمْ فَاسِقُونَ ; أَيْ خَارِجُونَ عَنْ طَاعَة اللَّه عَزَّ وَجَلَّ . الْحَادِيَة وَالْعِشْرُونَ



تفسير ابن كثير 

هذه الآية الكريمة فيها بيان حكم جلد القاذف للمحصنة، وهي الحرة البالغة العفيفة، فإذا كان المقذوف رجلا فكذلك يجلدقاذفه أيضًا، ليس في هذا نـزاع بين العلماءفأما إن أقام القاذف بينة على صحة ما قاله، رُدّ عنه الحد؛ ولهذا قال تعالى: (ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) ، فأوجب على القاذفإذا لم يقم بينة على  صحة ما قاله ثلاثة أحكام: 

أحدها: أن يجلد ثمانين جلدة

الثاني: أنه  ترد شهادته دائما

الثالث: أن يكون فاسقًا ليس بعدل، لا عند الله ولا عند الناس . 

ثم قال تعالى: ( إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) ، اختلف العلماء في هذا الاستثناء: هل يعودإلى الجملة الأخيرة فقط فترفع التوبة الفسق فقط، ويبقى مردود الشهادة دائما وإن تاب، أو يعود إلى الجملتين الثانيةوالثالثة ؟ وأما الجلد فقد ذهب وانقضى، سواء تاب أو أصر، ولا حكم له بعد ذلك بلا خلاف -فذهب الإمام مالك والشافعيوأحمد بن حنبل إلى أنه إذا تاب قبلت شهادته، وارتفع عنه حكم الفسقونص عليه سعيد بن المسيب -سيد التابعين-وجماعة من السلف أيضًا

وقال الإمام أبو حنيفة: إنما يعود الاستثناء إلى الجملة الأخيرة فقط، فيرتفع الفسق بالتوبة، ويبقى مردود الشهادة أبدًاوممن ذهب إليه من السلف القاضي -شُرَيح، وإبراهيم النَّخَعِيّ، وسعيد بن جُبَيْر، ومكحول، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم  

وقال الشعبي والضحاك: لا تقبل شهادته وإن تاب، إلا أن يعترف على نفسه بأنه قد قال البهتان، فحينئذ تقبل شهادته،والله أعلم .



تفسير الطبري 

القول في تأويل قوله تعالى: ( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْشَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4))

يقول تعالى ذكره: والذين يَشْتمون العفائف من حرائر المسلمين، فيرمونهنّ بالزنا، ثم لم يأتوا على ما رمَوْهن به من ذلكبأربعة شهداء عدول يشهدون، عليهنّ أنهنّ رأوهن يفعلن ذلك، فاجلدوا الذين رموهن بذلك ثمانين جلدة، ولا تقبلوا لهمشهادة أبدا، وأولئك هم الذين خالفوا أمر الله وخرجوا من طاعته ففسقوا عنها.

وذُكر أن هذه الآية إنما نـزلت في الذين رموا عائشة، زوج النبيّ صلى الله عليه وسلم بما رموها به من الإفك.

ذكر من قال ذلك:

 حدثني أبو السائب وإبراهيم بن  سعيد ، قالا ثنا ابن فضيل، عن خصيف، قال: قلت لسعيد بن جُبير: الزنا أشدّ، أو قذفالمحصنة؟ قال: لا بل الزناقلت: إن الله يقول: ( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ) قال: إنما هذا في حديث عائشة خاصة.

 حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: وَالَّذِينَ يَرْمُونَالْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ)... الآية في نساء المسلمين.

 حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ( وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) قال: الكاذبون.



تفسير السعدي 

لما عظم تعالى أمر الزاني بوجوب جلده، وكذا رجمه إن كان محصنا، وأنه لا تجوز مقارنته، ولا مخالطته على وجه لا يسلمفيه العبد من الشر، بين تعالى تعظيم الإقدام على الأعراض بالرمي بالزنا فقال: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ) أي: النساءالأحرار العفائف، وكذاك الرجال، لا فرق بين الأمرين، والمراد بالرمي الرمي بالزنا، بدليل السياق، (ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا) على ما رموابه (بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ) أي: رجال عدول، يشهدون بذلك صريحا، (فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً) بسوط متوسط، يؤلم فيه، ولا يبالغبذلك حتى يتلفه، لأن القصد التأديب لا الإتلاف، وفي هذا تقدير حد القذف، ولكن بشرط أن يكون المقذوف كما قال تعالىمحصنا مؤمنا، وأما قذف غير المحصن، فإنه يوجب التعزير

  (وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا) أي: لهم عقوبة أخرى، وهو أن شهادة القاذف غير مقبولة، ولو حد على القذف، حتى يتوبكما يأتي، (وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) أي: الخارجون عن طاعة الله، الذين قد كثر شرهم، وذلك لانتهاك ما حرم الله، وانتهاكعرض أخيه، وتسليط الناس على الكلام بما تكلم به، وإزالة الأخوة التي عقدها الله بين أهل الإيمان، ومحبة أن تشيعالفاحشة في الذين آمنوا، وهذا دليل على أن القذف من كبائر الذنوب

 وقوله: (إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) فالتوبة في هذا الموضع، أن يكذب القاذف نفسه، ويقرأنه كاذب فيما قال، وهو واجب عليه، أن يكذب نفسه ولو تيقن وقوعه، حيث لم يأت بأربعة شهداء، فإذا تاب القاذف وأصلحعمله وبدل إساءته إحسانا، زال عنه الفسق، وكذلك تقبل شهادته على الصحيح، فإن الله غفور رحيم يغفر الذنوب جميعا،لمن تاب وأناب، وإنما يجلد القاذف، إذا لم يأت بأربعة شهداء إذا لم يكن زوجا، فإن كان زوجا، فقد ذكر بقوله: 



      ├┬┴┬┴┬┴┬┴┤

  (¯`·._.·(¯`·._.··._.·´¯)·._.·´¯)

      ├┬┴┬┴┬┴┬┴┤




قالﷻ: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلاَّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ۝وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ۝ وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ ۝وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ ۝ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ ۝} [ النور: 6 ـ10 ] .



أحكام القرآن

بعدَما ذكَرَ اللهُ حدَّ الزانيَيْنِ، وعقوبةَ القذفِ، بيَّنَ اللهُ تعالى حُكْمَ قذفِ الزوجِ لزوجتِه؛ لأنَّ الأمرَ يختلِفُ؛ لأنَّ قذفَ الرجُلِلعِرْضِهِ ثقيلٌ عليه وعلى أهلِهِ وولدِه، وأثرُهُ على الزوجةِ وما تَستقبِلُهُ مِن أمرِها ونسَبِ ولدِها عظيمٌ، وقذفُ الأَبعدِينَبعضِهم بعضًا قد يقعُ كُرْهًا وانتقامًا، ولا يتضرَّرُ القاذفُ، بل يتضرَّرُ المقذوفُ، ولكنَّ الزوجَيْنِ يتضرَّرانِ جميعًا، فجعَلَ اللهُلقذفِ الزوجِ لزوجتِهِ حُكْمًا خاصًّا يختلِفُ عن أحوالِ القذفِ الأُخرى.

سببُ نزولِ لِعانِ الزَّوْجَيْنِ:

ويَظهرُ أنَّ سببَ نزولِ هذه الآيةِ كان في هِلاَلِ بنِ أُمَيَّةَ وزوجتِهِ، واتَّهَمَ بها شَرِيكَ بنَ سَحْمَاءَ، ومِثلُهُ وقَعَ مع عُوَيْمِرٍالعَجْلاَنِيِّ وزوجتِه، وكِلا الحديثَيْنِ في «الصحيحَيْنِ»، وفيهما جميعًا: أنَّ اللهَ أنزَلَ فيهما؛ ففي قصةِ هلالٍ وزوجتِهِ، قالابنُ عبَّاسٍ ـ وهو راوي الخبرِ ـ: «فَنَزَلَ جِبْرِيلُ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ، فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ: {إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ*} »، وفي قصةِ عُوَيْمِرٍ وزوجتِه، قال سهلُ بنُ سعدٍ راوي الخبرِ: إنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال لعُوَيْمِرٍ: (قَدْ أَنْزَلَ اللهُفِيكَ وَفِي صَاحِبَتِكَ).

أمَّا حديثُ ابنِ عبَّاسٍ، فقد رواهُ البخاريُّ عنه: أَنَّ هِلاَلَ بْنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ امْرَأَتَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم بِشَرِيكِ بْنِسَحْمَاءَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم: (البَيِّنَةَ أَوْ حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ) ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِذَا رَأَى أَحَدُنَا عَلَى امْرَأَتِهِ رَجُلاًيَنْطَلِقُ يَلْتَمِسُ البَيِّنَةَ؟فَجَعَلَ النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم يَقُولُ: (البَيِّنَةَ وَإِلاَّ حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ) ، فَقَالَ هِلاَلٌ: وَالَّذِي بَعَثَكَبِالحَقِّ، إِنِّي لَصَادِقٌ، فَلَيُنْزِلَنَّ اللهُ مَا يُبَرِّئُ ظَهْرِي مِنَ الحَدِّ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ، فَقَرَأَ حَتَّىبَلَغَ: {إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ *} ، فَانْصَرَفَ النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا، فَجَاءَ هِلاَلٌ فَشَهِدَ، وَالنَّبِيُّ صلّى اللهعليه وسلّم يَقُولُ: (إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ؟) ، ثُمَّ قَامَتْ فَشَهِدَتْ، فَلَمَّا كَانَتْ عِنْدَ الخَامِسَةِ وَقَّفُوهَا،وَقَالُوا: إِنَّهَا مُوجِبَةٌ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَتَلَكَّأَتْ وَنَكَصَتْ، حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهَا تَرْجِعُ، ثُمَّ قَالَتْ: لاَ أَفْضَحُ قَوْمِي سَائِرَ اليَوْمِ،فَمَضَتْ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم: (أَبْصِرُوهَا؛ فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَكْحَلَ العَيْنَيْنِ، سَابِغَ الأَلْيَتَيْنِ، خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ، فَهُوَلِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ) ، فَجَاءَتْ بِهِ كَذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم: (لَوْلاَ مَا مَضَى مِنْ كِتَابِ اللهِ، لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ).

وأمَّا حديثُ سهلِ بنِ سعدٍ، فرواهُ الشيخانِ عنه؛ أَنَّ عُوَيْمِرًا العَجْلاَنِيَّ جَاءَ إِلَى عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ الأَنْصَارِيِّ، فَقَالَ لَهُ: يَاعَاصِمُ، أَرَأَيْتَ رَجُلاً وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلاً، أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ، أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟ سَلْ لِي يَا عَاصِمُ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ صلّى الله عليهوسلّم، فَسَأَلَ عَاصِمٌ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم، فَكَرِهَ رَسُولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم المَسَائِلَ وَعَابَهَا، حَتَّى كَبُرَعَلَى عَاصِمٍ مَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم، فَلَمَّا رَجَعَ عَاصِمٌ إِلَى أَهْلِهِ، جَاءَ عُوَيْمِرٌ، فَقَالَ: يَا عَاصِمُ، مَاذَا قَالَ لَكَرَسُولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم؟ فَقَالَ عَاصِمٌ: لَمْ تَأْتِنِي بِخَيْرٍ، قَدْ كَرِهَ رَسُولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم المَسْأَلَةَ الَّتِي سَأَلْتُهُعَنْهَا، قَالَ عُوَيْمِرٌ: وَاللهِ لاَ أَنْتَهِي حَتَّى أَسْأَلَهُ عَنْهَا، فَأَقْبَلَ عُوَيْمِرٌ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم وَسْطَ النَّاسِ،فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ رَجُلاً وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلاً، أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ، أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم:(قَدْ أَنْزَلَ اللهُ فِيكَ وَفِي صَاحِبَتِكَ، فَاذْهَبْ فَأْتِ بِهَا) ، قَالَ سَهْلٌ: فَتَلاَعَنَا وَأَنَا مَعَ النَّاسِ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم،فَلَمَّا فَرَغَا، قَالَ عُوَيْمِرٌ: كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللهِ إِنْ أَمْسَكْتُهَا، فَطَلَّقَهَا ثَلاَثًا، قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم.

وشرَعَ اللهُ لِعانَ الزوجَيْنِ لأمرَيْنِ:

الأولُ : إذا قذَفَ الزوجُ زوجتَهُ بالزِّنى، ولم يأتِ بالشهودِ الأربعةِ على قولِه، فإنَّه يُلاعِنُ لِيَدْرَأَ الحدَّ عن نفسِه.

والثاني : أن يُرِيدَ نفيَ الولدِ الذي وضَعَتْهُ زوجتُهُ عنه.

وقد اختلَفَ الفقهاءُ في اشتراطِ تقييدِ قذفِ الزوجِ لزوجتِهِ بمُشاهدتِهِ لها على الفاحشةِ على قولَيْنِ:

فذهَب مالكٌ: إلى اشتراطِ تقييدِ رؤيتِهِ لها على الفاحشةِ؛ وذلك لظاهِرِ قصةِ هلالِ بنِ أُميَّةَ مع زوجتِهِ، وقصةِ عُوَيْمِرٍالعَجْلانيِّ مع زوجتِه.

والذي عليه جمهورُ الفقهاءِ: عدمُ اشتراطِ هذا القيدِ، ولا يَلزَمُ أن يكونَ الزوجُ مُقِرًّا برؤيتِهِ لزِنَى زوجتِهِ حتى يُقبَلَ منهاللِّعانُ؛ لأنَّه قد يُلاعِنُ لنفيِ الولدِ، فيَرَى أنَّه ليس بولدِه، كأنْ يَدَّعِيَ أنَّه لم يَطَأْ زوجتَهُ مطلَقًا؛ لمرَضٍ، أو ضَعْفٍ وعجزٍ، أوهجرٍ، أو غيابٍ بسجنٍ، أو هجرةٍ ونفيٍ عنها، فحمَلَتْ ولم يرَ زوجتَهُ على الزِّنى، لكنَّه أراد نفيَ الولدِ، فيُلاعِنُها على قذفِهِلها؛ لأنَّه لا يقعُ حملٌ إلاَّ بوَطْءٍ، والوطءُ: إمَّا مِن نِكَاحٍ، وإمَّا مِن سِفاحٍ.

وقد اختُلِفَ في آيةِ اللِّعانِ وكونِها مخصِّصةً لآيةِ القذفِ أم مؤسِّسةً لحُكْمٍ جديدٍ:

فذهَب جماعةٌ: إلى أنَّ آيةَ القذفِ عامَّةٌ لكلِّ قاذفٍ ولو كان زوجًا لزوجتِه، ثمَّ خصَّصَ اللهُ قذفَ الزوجِ لزوجتِه بآيةِ اللِّعانِ.

ومنهم: مَن قال: إنَّ آيةَ القذفِ نزَلَتْ ولم يدخُلْ فيها الزوجانِ ابتداءً، فقذفُ الزوجِ لزوجتِه له حُكْمُهُ بآيتِه.

وذهَب آخَرونَ: إلى أنَّ آيةَ اللِّعانِ مخصِّصةٌ لآيةِ القذفِ، وأنَّ آيةَ القذفِ يدخُلُ فيها الزوجانِ قبلَ نزولِ اللِّعانِ المخصِّصِلهما؛ وذلك لقولِ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم لهلالِ بنِ أميَّةَ: (البَيِّنَةَ وَإِلاَّ حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ) ، فقال هلالٌ: «وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ،إِنِّي لَصَادِقٌ، فَلَيُنْزِلَنَّ اللهُ مَا يُبَرِّئُ ظَهْرِي مِنَ الحَدِّ»، قال ابنُ عبَّاسٍ: «فَنَزَلَ جِبْرِيلُ»، فأَجْرَى النبيُّ صلّى الله عليه وسلّمحالَ هلالٍ مجرَى كلِّ قاذفٍ، وهو الحدُّ.

وقد قال بعمومِ آيةِ اللِّعانِ في كلِّ زوجٍ قاذفٍ مسلمٍ أو كافرٍ، حرٍّ أو عبدٍ: مالكٌ والشافعيُّ وأحمدُ في روايةٍ.

وقال بأنَّها خاصَّةٌ بالزوجَيْنِ المُسلِمَيْنِ الحرَّيْنِ العدلَيْنِ أبو حنيفةَ، وجعَلَ الشروطَ في المتلاعنَيْنِ كالشروطِ في الشهودِ؛وذلك أنَّ اللهَ سمَّاهما شهودًا في قولِه تعالى: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلاَّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ؛ فكلُّ ما لا تصحُّ شهادتُهُ لايصحُّ لِعانُهُ عندَهُ لأجلِ ذلك، ولكنَّ اللهَ يُسمِّي اليمينَ شهادةً، كما قال تعالى عن المُنافِقينَ: {قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ} [المنافقون: 1 ] ، ثمَّ سمَّى اللهُ فِعلَهم بعدَ ذلك يمينًا بقولِه: {اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً} [المنافقون: 2 ] .

مَرَاحِلُ قَذْفِ الزَّوْجِ لزوجتِهِ:

وقذفُ الزوجِ لزوجتِهِ على مراحلَ خمسٍ:

المرحلةُ الأُولى : طلبُ الشهودِ؛ وبهذا يتَّفقُ الزوجُ مع غيرِهِ مِن الناسِ الذين يقَعونَ في القذفِ، فكلُّهم يُطالَبُ بأربعةِ شهداءَلإثباتِ قولِهِ؛ يَشهَدونَ أنَّهم رأَوُا الفاحشةَ بأعيُنِهم رأَوُا الوطءَ الصريحَ كالمِيلِ في المُكْحُلَةِ، فإنْ جاءَ الزوجُ بالشهودِ، أُقِيمَالحدُّ على الزوجةِ، وهو الرجمُ، ولا تُطالَبُ بالشهادةِ لنفسِها، ولا يَدْرَأُ عنها العذابَ شيءٌ، بعدَ بيِّنةِ الشهودِ، ويَنتهي أمرُالقذفِ بذلك.

خلافًا للشافعيِّ؛ فإنَّه يَرى أنَّها تَدفَعُ عن نفسِها العذابَ بالشهادةِ واللَّعْنةِ ولو أتى الزوجُ بالشهودِ عليها، ففَرْقٌ بينَ شهودِالزوجِ على زوجتِهِ وبينَ شهودِ الرَّجُلِ الأجنبيِّ عليها؛ فشهودُ الأجنبيِّ يُقامُ به عليها الحدُّ بالإجماعِ، وأمَّا شهودُ زوجِها،فاستثناهُمُ الشافعيُّ في حُكْمِ اللِّعانِ.

وأمَّا إنْ كان لدى الزوجِ شهودٌ، فهل له أن يختارَ اللِّعَانَ ويَدَعَ إقامةَ البيِّنةِ؛ ليتحقَّقَ نفيُ الولدِ، ويُرفَعَ عنها الحدُّ فلا تُرجَمَ؟فقد اختُلِفَ في ذلك:

وقد ذهَب مالكٌ والشافعيُّ: إلى أنَّه يَحِقُّ للزوجِ اختيارُ اللِّعَانِ وإن قامَتِ البيِّنةُ عندَه بالشهودِ.

وذهَبَ أبو حنيفة وداوُد: إلى عدَمِ جوازِ اللِّعانِ إن قامَتِ البيِّنةُ بالشهودِ على زِناها.

المرحلةُ الثانيةُ : إذا لم يكنْ لدى الزوجِ شهودٌ على قَذْفِهِ لزوجتِه؛ فإنَّه يُطلَبُ منه الشهادةُ لنفسِهِ بالصِّدْقِ أربعًا، ويَلعَنُ فيالخامسةِ نفسَهُ إنْ كان كاذبًا؛ كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلاَّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُشَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ *وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ *} ، وشهادتُهُ ولعنُهُ لنفسِهِ ليس بيِّنةً علىزوجتِهِ بوقوعِها في الفاحشةِ، ولكنَّه يَرفَعُ عنه الحدَّ فقطْ، وقد يكونُ كاذبًا وقد يكونُ صادقًا.

وإنِ امتنَعَ الزوجُ عن الشهادةِ واللعنِ، فإنَّه يُجلَدُ حدَّ القذفِ ثمانينَ جَلْدةً؛ كما يُجلَدُ كلُّ قاذفٍ بلا بيِّنةٍ؛ وبهذا قال جمهورُالعلماءِ.

خلافًا لأبي حنيفةَ؛ فإنَّه رأَى تعزيرَهُ بحبسٍ، ولم يجعلْ في نُكُولِهِ حَدًّا؛ لعدمِ النصِّ عليه، ولكنَّه معنًى ثبَتَ بدَلاَلةِ السياقِبلا نصٍّ، بدَلاَلةِ ذِكْرِ اللهِ نُكُولَ المرأةِ أنَّه يُوجِبُ الحَدَّ عليها بقولِهِ تعالى: {وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَوظاهرُ السياقِ: أنَّ الشهادةَتَدرأُ عنه العذابَ كذلك.

المرحلةُ الثالثةُ : طلبُ الشهادةِ مِن الزوجةِ بعدَ شهادةِ الزوجِ لتُبرِّئَ نَفْسَها مِن تُهَمَتِه، فإنْ شَهِدَتْ على زوجِها بالكذبِأربعًا، وشَهِدَتْ في الخامسةِ أنَّ عليها الغضبَ إنْ كان زوجُها صادقًا ـ: بَرِئَتْ مِن الحدِّ؛ وذلك قولُه تعالى: {وَيَدْرَأُ عَنْهَاالْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ *وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ *} .

وإن لم تَشهَدْ على نفسِها، وامتنعَتْ ناكِلةً، فقد اختُلِفَ في الحدِّ المقصودِ في قولِه تعالى: {وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَأَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ:

فجمهورُ العلماءِ: على أنَّ المرادَ بالعذابِ هو حدُّ الزِّنى.

خلافًا لأبي حنيفةَ؛ فإنَّه لم يَجعَلِ العذابَ في الآيةِ حَدًّا؛ وإنَّما جعَلَهُ تعزيرًا فقال بحَبْسِها حتى تُلاعِنَ، ودفَعَ عنها الدمَ بأنَّالأصلَ عِصْمةُ الدمِ؛ كما في حديثِ: (لاَ يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ) ، ولا بدَّ مِن بيِّنةٍ، والنكولُ ليس ببيِّنةٍ تُوجِبُ سفكَ الدمِ، وإلىقولِهِ ذهَبَ بعضُ الفقهاءِ مِن الشافعيَّةِ؛ كالجُوَيْنِيِّ، وبعضُ الفقهاءِ مِن المالكيَّةِ؛ كابنِ رشدٍ.

ولا يختارُ الموتَ ويترُكُ اليمينَ في مِثْلِ هذه الحالِ إلاَّ مَن قام الحقُّ عليه، ومنَعَهُ مِن اليمينِ عاقبتُها وشؤمُها في الدارَيْنِ.

المرحلةُ الرابعةُ : التفريقُ بينَ المتلاعنَـيْنِ بعدَ اللِّعانِ؛ وذلك لقولِهِ صلّى الله عليه وسلّم لعُوَيْمِرٍ العَجْلاَنِيِّ: (لاَ سَبِيلَ لَكَعَلَيْهَا) ، وقد اختلَفَ العلماءُ في سببِ التفريقِ: هل هو حُكْمٌ لازِمٌ في الشرعِ فيكونَ أبديًّا، أو لأجلِ حُكْمِ الحاكمِ فيه؟ علىقولَيْنِ:

قال بالتفريقِ شرعًا مالكٌ والشافعيُّ وأحمدُ، وقال بالتفريقِ بحُكْمِ الحاكمِ أبو حنيفةَ.

نَفْيُ الوَلَدِ باللِّعَانِ:

المرحلةُ الخامسةُ : نفيُ الولدِ؛ فلا خلافَ أنَّ الزوجَيْنِ إنْ لم يتلاعَنَا بعدَ قذفِ الزوجِ لزوجتِه، فإنَّ الولدَ لا يُنفى؛ بل يَبقىنسَبُهُ لأبيه، ولو قذَفَ أُمَّهُ به، فالولدُ للفِرَاشِ حتى يُلاعِنَ صاحبُه، وقد ثبَت في «الصحيحَيْنِ»، عن أبي هريرةَ؛ أَنَّ أَعْرَابِيًّاأَتَى رَسُولَ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم، فَقَالَ: إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلاَمًا أَسْوَدَ، وَإِنِّي أَنْكَرْتُهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صلّى الله عليهوسلّم: (هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟) ، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: (فَمَا أَلْوَانُهَا؟) ، قَالَ: حُمْرٌ، قَالَ: (هَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟) ، قَالَ: إِنَّ فِيهَا لَوُرْقًا، قَالَ:(فَأَنَّى تُرَى ذَلِكَ جَاءَهَا؟) ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، عِرْقٌ نَزَعَهَا، قَالَ: (وَلَعَلَّ هَذَا عِرْقٌ نَزَعَهُ) ، وَلَمْ يُرَخِّصْ لَهُ فِي الاِنْتِفَاءِ مِنْهُ.

وفي روايةٍ لمسلمٍ؛ قال أبو هُرَيْرةَ في الرجُلِ: «وَهُوَ حِينَئِذٍ يُعَرِّضُ بِأَنْ يَنْفِيَهُ».

وإذا لاعَنَ الزوجُ زوجتَهُ، فإنَّه لا يَلزَمُ مِن اتِّهامِ زوجتِهِ بالزِّنى أنْ يَجعَلَ ما في بطنِها مِن الزِّنى؛ فإنَّ قذفَهُ لها وملاعنتَهُ قديكونُ لأجلِ الوقوعِ في الفاحشةِ، لا لأجلِ الولدِ، وربَّما يكونُ لأجلِ الولدِ ولو لم يَرَها تَفعَلُ شيئًا بعينِه، فإنْ كان الزوجُ لايُريدُ نفيَ الولدِ، فإنَّه لا يَنتفي، ويَبقى ولدَهُ ولو بعدَ اللِّعانِ.

وأمَّا إنْ كان يُريدُ نفيَهُ، فالثابتُ أنَّه يَنفيهِ بعدَ اللِّعَانِ، وهذا ظاهرُ السُّنَّةِ؛ ففي «الصحيحَيْنِ»، عن ابنِ عمرَ رضي اللهعنهما؛ أَنَّ رَجُلاً لاَعَنَ امْرَأَتَهُ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم، وَانْتَفَى مِنْ وَلَدِهَا، فَفَرَّقَ النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّمبَيْنَهُمَا، وَأَلْحَقَ الوَلَدَ بِالمَرْأَةِ.

وصحَّ إلحاقُ الولدِ بأمِّه عن ابنِ عبَّاسٍ؛ رواهُ عنه عليُّ بنُ أبي طَلْحةَ.

ولا وجهَ للقولِ بأنَّ الولدَ لا يَنتفي مِن أبيهِ إنْ أرادَ نفيَهُ باللِّعانِ، بحُجَّةِ أنَّ كلَّ واحدٍ مِن الزوجَيْنِ شَهِدَ على نفسِهِ بالصِّدْقِولعَنَ نفسَهُ إنْ كان كاذبًا؛ وذلك لأمورٍ:

أولاً : أنَّ الشهادةَ لِدَرْءِ الحدِّ عن الزوجَيْنِ؛ فالزوجُ يَشهدُ ليَدفعَ عن نفسِه حدَّ القذفِ، والزوجةُ تَشهدُ لتَدرأَ عنها حدَّ الزِّنى؛كما هو في ظاهرِ الآيةِ: {وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ، والولدُ لا يتعلَّقُ حُكْمُهُ بمجرَّدِ وقوعِ التلاعُنِ بينَهما؛ لأنَّ القذفَ قد يكونُ لأجلِالفاحشةِ، وقد يكونُ لأجلِ نفيِ الولدِ، فربَّما يتَّهِمُ الزوجُ زوجتَهُ بالفاحشةِ ولا يتَّهِمُها بولدِها.

ثانيًا : أنَّ أعظَمَ أسبابِ المُلاعَنةِ نفيُ الولدِ، وقد قال ابنُ القيِّمِ: «إنَّه أجَلُّ فوائدِ اللِّعانِ».

وأكثرُ الناسِ لو رأَى زوجتَهُ على فاحشةٍ ولا يَخشى الولدَ منها ولا يُرِيدُها، فَارَقَها؛ لأنَّه بعدَ قذفِهِ ثمَّ مُلاعَنتِهِ لها لا يتحقَّقُله إلاَّ المُفارَقةُ منها، وهذا يستطيعُهُ بلا قذفٍ ولا لِعانٍ؛ بطلاقٍ أو خُلْعٍ، فلا حاجةَ له إلى تقحُّمِ القذفِ واللِّعانِ والتشهيرِبنفسِهِ وزوجِهِ وولدِهِ السابقِ منها وهو قادرٌ على المُفارَقةِ لو لم يكنْ ولدٌ، والحقُّ وظاهرُ الدليلِ: أنَّ نفيَ الولدِ حقٌّ للزَّوْجِ؛فله أن يَنفيَهُ وله أن يُبقيَهُ، وأمَّا حقُّ زوجتِهِ مِن اللِّعانِ، فتَدْرَأُ عن نفسِها العذابَ، ويَلحَقُ الولدُ بها، ولا يُؤخَذُ منها لمجرَّدِ نفيِأبيهِ له؛ كما ثبَتَ في «الصحيحِ»، في ولدِ زوجةِ عُوَيْمِرٍ، قال سهلٌ: «فَكَانَ بَعْدُ يُنْسَبُ إِلَى أُمِّهِ»، وفي «المسنَدِ»، وعندَأبي داودَ؛ مِن حديثِ ابنِ عبَّاسٍ؛ قال في قصةِ هلالِ بنِ أميَّةَ وزوجتِهِ وولدِها: «فَفَرَّقَ رَسُولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّمبَيْنَهُمَا، وَقَضَى أَلاَّ يُدْعَى وَلَدُهَا لأَِبٍ، وَلاَ تُرْمَى، وَلاَ يُرْمَى وَلَدُهَا، وَمَنْ رَمَاهَا أَوْ رَمَى وَلَدَهَا، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ».

ثالثًا : لو كان الزوجُ لا يَقدِرُ على نفيِ الولدِ بعدَ اللِّعَانِ لمجرَّدِ شهادةِ الزوجةِ ومُلاعَنتِها، فهذا يُبقيهِ منسوبًا إليه وهو فيعِلْمِهِ أنَّه ليس ولدَهُ، وهذا مَجْلَبةٌ لمَفاسِدَ عظيمةٍ لاحِقةٍ بينَهُ وبينَ زوجِهِ والولدِ، والشريعةُ ما جاءتْ باللِّعانِ إلاَّ لتُغلِقَ البابَعلى شرٍّ وفتنةٍ طويلةٍ.

وأمَّا ما جاء في قصةِ هلالِ بنِ أميَّةَ وزوجِهِ؛ حيثُ قال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: (أَبْصِرُوهَا؛ فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَكْحَلَ العَيْنَيْنِ،سَابِغَ الأَلْيَتَيْنِ، خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ، فَهُوَ لِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ) ، وما جاء في قصةِ عُوَيْمِرٍ وزوجِهِ؛ حيثُ قال النبيُّ صلّى الله عليهوسلّم: (انْظُرُوا؛ فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَسْحَمَ، أَدْعَجَ العَيْنَيْنِ، عَظِيمَ الأَلْيَتَيْنِ، خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ، فَلاَ أَحْسِبُ عُوَيْمِرًا إِلاَّ قَدْ صَدَقَ عَلَيْهَا،وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أُحَيْمِرَ كَأَنَّهُ وَحَرَةٌ، فَلاَ أَحْسِبُ عُوَيْمِرًا إِلاَّ قَدْ كَذَبَ عَلَيْهَا) ، فإنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم لم يُرِدْ بالأَشْبَاهِ أنَّإلحاقَ الولدِ غيرُ مُعتبِرٍ باللِّعانِ فيه، فذلك لم يَفهَمْهُ أحدٌ مِن الصحابةِ؛ وإنَّما أراد النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم بيانَ الصادقِمِن الكاذبِ، وأنَّ الشهادةَ واللعنَ تَدرأُ عن صاحِبِها الحَدَّ ولو قامَتِ القرائنُ عليه، ولو كانتِ الأشباهُ تُلحِقُ النَّسَبَ، لَمَا رَدَّالنبيُّ صلّى الله عليه وسلّم الرجُلَ لاختلافِ لونِ ولدِهِ عنه، فذكَّرَهُ باختلافِ ألوانِ إبلِه.

والعلماءُ يتَّفقونَ على أنَّ الزوجَ يَنتفي ولدُهُ بعدَ اللعانِ إنْ كان لِعانُهُ لها لأجلِ نفيِ الولدِ؛ وإنَّما الخلافُ عندَهم في زمنِنفيِ الولدِ.

والصحيحُ: أنَّ اللعانَ يكونُ حالَ الحَمْلِ وقبلَ الوضعِ في قولِ جمهورِ العلماءِ.

خلافًا لأبي حنيفةَ وصاحبَيْه والمُزَنِيِّ، فقد منَعوا مِن اللِّعانِ قبلَ الوضعِ.

وظاهرُ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ وسهلٍ: أنَّ اللِّعانَ كان زمنَ الحَمْلِ لا الوضعِ.

وأمَّا حديثُ: (الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ) ، فهو في غيرِ لِعانِ الزوجِ لزوجتِهِ لنفيِ الولدِ، والفِراشُ قد ارتفَعَ باللِّعانِ، ولولم يكنْ لعانٌ، لكان الولدُ له.

ومَن أرادَ نفيَ الولدِ، ولم يَتَّهِمْ زوجتَهُ بالزِّنى، فقال: الولدُ ليس لي، ولا أَتَّهِمُها بزِنًى، فقد اختلَفَ العلماءُ في ذلك علىقولَيْنِ، هما قولانِ للشافعيِّ، وروايتانِ عن أحمدَ:

الأُولـى : أنَّهما يَتلاعَنانِ، ويَنتفي الولدُ.

والثانيةُ : أنَّه لا لعانَ، والولدُ للفِراشِ.

قَذْفُ الزوجةِ لزوجِها:

وإذا قذَفتِ الزوجةُ زوجَها، فهي تأخُذُ أحكامَ القذفِ لا اللِّعانِ؛ لأنَّ اللِّعانَ خاصٌّ بقذفِ الزوجِ لزوجتِه؛ كما في الآيةِوالأحاديثِ، لا بقذفِ الزوجةِ لزوجِها؛ كما في قولِه تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلاَّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُأَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ *} .



تفسير القرطبي الجامع لأحكام القرآن 

" الْمُحْصَنَات " تَقَدَّمَ فِي " النِّسَاء " . وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ حُكْم الْمُحْصَنِينَ فِي الْقَذْف كَحُكْمِ الْمُحْصَنَات قِيَاسًا وَاسْتِدْلَالًاوَقَدْ بَيَّنَّاهُ أَوَّل السُّورَة وَالْحَمْد لِلَّهِ . وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ الْمُرَاد بِهَذِهِ الْآيَة ; فَقَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر : هِيَ فِي رُمَاة عَائِشَة رِضْوَان اللَّهعَلَيْهَا خَاصَّةوَقَالَ قَوْم : هِيَ فِي عَائِشَة وَسَائِر أَزْوَاج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَالضَّحَّاك وَغَيْرهمَا . وَلَا تَنْفَع التَّوْبَة . وَمَنْ قَذَفَ غَيْرهنَّ مِنْ الْمُحْصَنَات فَقَدْ جَعَلَ اللَّه لَهُ تَوْبَة ; لِأَنَّهُ قَالَ : " وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَات ثُمَّ لَمْ يَأْتُوابِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء - إِلَى قَوْله - إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا " فَجَعَلَ اللَّه لِهَؤُلَاءِ تَوْبَة , وَلَمْ يَجْعَل لِأُولَئِكَ تَوْبَة ; قَالَهُ الضَّحَّاك . وَقِيلَ : هَذَاالْوَعِيد لِمَنْ أَصَرَّ عَلَى الْقَذْف وَلَمْ يَتُبْ . وَقِيلَ : نَزَلَتْ فِي عَائِشَة , إِلَّا أَنَّهُ يُرَاد بِهَا كُلّ مَنْ اِتَّصَفَ بِهَذِهِ الصِّفَة . وَقِيلَ : إِنَّهُ عَامّلِجَمِيعِ النَّاس الْقَذَفَة مِنْ ذَكَر وَأُنْثَى ; وَيَكُون التَّقْدِير : إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْأَنْفُس الْمُحْصَنَات ; فَدَخَلَ فِي هَذَا الْمُذَكَّر وَالْمُؤَنَّث ; وَاخْتَارَهُ النَّحَّاس . وَقِيلَ : نَزَلَتْ فِي مُشْرِكِي مَكَّة ; لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ لِلْمَرْأَةِ إِذَا هَاجَرَتْ إِنَّمَا خَرَجَتْ لِتَفْجُر .

قَالَ الْعُلَمَاء : إِنْ كَانَ الْمُرَاد بِهَذِهِ الْآيَة الْمُؤْمِنِينَ مِنْ الْقَذَفَة فَالْمُرَاد بِاللَّعْنَةِ الْإِبْعَاد وَضَرْب الْحَدّ وَاسْتِيحَاش الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُمْوَهَجْرهمْ لَهُمْ , وَزَوَالهمْ عَنْ رُتْبَة الْعَدَالَة وَالْبُعْد عَنْ الثَّنَاء الْحَسَن عَلَى أَلْسِنَة الْمُؤْمِنِينَوَعَلَى قَوْل مَنْ قَالَ : هِيَ خَاصَّةلِعَائِشَةَ تَتَرَتَّب هَذِهِ الشَّدَائِد فِي جَانِب عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ وَأَشْبَاهه . وَعَلَى قَوْل مَنْ قَالَ : نَزَلَتْ فِي مُشْرِكِي مَكَّة فَلَا كَلَام , فَإِنَّهُمْ مُبْعَدُونَ , وَلَهُمْ فِي الْآخِرَة عَذَاب عَظِيم ; وَمَنْ أَسْلَمَ فَالْإِسْلَام يَجُبّ مَا قَبْله . وَقَالَ أَبُو جَعْفَر النَّحَّاس : مِنْ أَحْسَن مَاقِيلَ فِي تَأْوِيل هَذِهِ الْآيَة إِنَّهُ عَامّ لِجَمِيعِ النَّاس الْقَذَفَة مِنْ ذَكَر وَأُنْثَى ; وَيَكُون التَّقْدِير : إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْأَنْفُس الْمُحْصَنَات , فَدَخَلَ فِي هَذَا الْمُذَكَّر وَالْمُؤَنَّث , وَكَذَا فِي الَّذِينَ يَرْمُونَ ; إِلَّا أَنَّهُ غُلِّبَ الْمُذَكَّر عَلَى الْمُؤَنَّث.



تفسير ابن كثير 

هذا وعيد من الله تعالى للذين يرمون المحصنات الغافلات -خُرِّج مخرج الغالب -المؤمنات

فأمهات المؤمنين أولى بالدخول في هذا من كل محصنة، ولا سيما التي كانت سبب النـزول، وهي عائشة بنت الصديق،رضي الله عنهما

وقد أجمع العلماء، رحمهم الله، قاطبة على أن مَنْ سَبَّها بعد هذا ورماها بما رماها به [بعد هذا الذي ذكر في هذه الآية،فإنه كافر؛ لأنه معاند للقرآنوفي بقية أمهات المؤمنين قولان: أصحهما أنهن كهي، والله أعلم

وقوله تعالى: ( لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) كقوله: (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَاوَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا ) [الأحزاب : 57]  

وقد ذهب بعضهم إلى أنها خاصة بعائشة، فقال ابن أبي حاتم: 

حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا عبد الله بن خِرَاش، عن العَوَّام، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ( إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَالْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ ) [قال : نـزلت في عائشة خاصة

وكذا قال [سعيد بن جبير و مقاتل بن حيان، وقد ذكره ابن جرير عن عائشة فقال: 

حدثنا أحمد بن عَبْدَة الضَّبِّي، حدثنا أبو عَوَانة، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه قال: قالت عائشة: رُميت بما رميت به وأناغافلة، فبلغني بعد ذلكقالت: فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس عندي  إذ أوحي ،  إليهقالت: وكان إذا أوحيإليه أخذه كهيئة السُّبات، وإنه أوحي إليه وهو جالس عندي، ثم استوى جالسا يمسح على وجهه، وقال: "يا عائشةأبشري"قالت: قلت: بحمد الله لا بحمدكفقرأ: ( إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ ) ، حتى قرأ: (أُولَئِكَمُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ ) [النور : 26]  

هكذا أورده، وليس فيه أن الحكم خاص بها، وإنما فيه أنها سبب النـزول دون غيرها، وإن كان الحكم يعمها كغيرها، ولعلهمراد ابن عباس ومن قال كقوله، والله أعلم

وقال الضحاك، وأبو الجوزاء، وسلمة بن نُبَيْط: المراد بها أزواج النبيّ خاصة، دون غيرهن من النساء

وقال العَوْفِيّ، عن ابن عباس في قوله: ( إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ ) الآية: يعني أزواج النبي صلى اللهعليه وسلم، رماهن أهل النفاق، فأوجب الله لهم اللعنة والغضب، وباؤوا بسخط من الله، فكان  ذلك في أزواج النبي صلىالله عليه وسلم ثم نـزل بعد ذلك: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ) إلى قوله: (فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) ،فأنـزل الله الجلد والتوبة، فالتوبة تقبل، والشهادة تُرَدّ

وقال ابن جرير: حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا هُشَيْم، أخبرنا العوام بن حوشب، عن شيخ  من بني أسد، عن ابنعباس -قال: فسر سورة النور، فلما أتى على هذه الآية: ( إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا ) الآية -قال:في شأن عائشة، وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وهي مبهمة، وليست لهم توبة، ثم قرأ: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّلَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ) إلى قوله: (إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا ) الآية [النور : 4 ، 5] ، قال: فجعل لهؤلاء توبةولم يجعل لمن قذف أولئك توبة، قال: فهمّ بعضُ القوم أن يقوم إليه فيقبل رأسه، من حسن ما فسَّر به سورة النور  

فقوله: "وهي مبهمة" ، أي: عامة في تحريم قذف كل محصنة، ولَعْنته في الدنيا والآخرة

وهكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هذا في عائشة، ومن صنع مثل هذا أيضًا اليوم في المسلمات، فلهما قال الله، عزوجل، ولكن عائشة كانت إمامَ ذلك

وقد اختار ابن جرير عمومها، وهو الصحيح، ويعضد العموم  ما رواه ابن أبي حاتم: 

حدثنا أحمد بن عبد الرحمن -ابن أخي ابن وهب -حدثنا عمي، حدثنا سليمان بن بلال، عن ثور بن زيد، عن أبي الغَيث  عنأبي هريرة؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اجتنبوا السبع الموبقات"قيل: يا رسول الله، وما هن؟ قال: "الشركبالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصناتالغافلات المؤمنات"

أخرجاه في الصحيحين، من حديث سليمان بن بلال، به  

وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا محمد بن عَمْرو بن خالد الحَذَّاء الحراني، حدثني أبي ، (ح) وحدثنا أبو شُعَيبالحراني، حدثنا جدي أحمد بن أبي شُعَيب، حدثنا موسى بن أعين، عن ليث، عن أبي إسحاق، عن صِلَة بن زُفَر، عن حذيفة،عن النبي صلى الله عليه وسلم  قال: "قذف المحصنة يهدم عمل مائة سنة"  

وقوله ( يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) قال ابن أبي حاتم: 

حدثنا أبو سعيد الأشَجّ، حدثنا أبو يحيى الرازي، عن عمرو بن أبي قيس، عن مُطَرِّف، عن المِنْهَال، عن سعيد بن جبير، عنابن عباس قال: إنهم  يعني: المشركين -إذا رَأوا أنه لا يدخلُ الجنةَ إلا أهل الصلاة، قالوا: تعالوا حتى نجحدفيجحدونفيختم [الله على أفواههم، وتشهد أيديهم وأرجلهم، ولا يكتمون الله حديثًا

وقال ابن جرير، وابن أبي حاتم أيضًا: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن دَرَّاج،عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن رسول الله صلى عليه وسلم  قال: "إذا كان يوم القيامة، عُرف الكافر بعمله، فيجحدويخاصم، فيقال له: هؤلاء جيرانك يشهدون عليكفيقول: كذبوافيقول: أهلك وعشيرتكفيقول: كذبوا، فيقول: احلفوافيحلفون، ثم يُصمِتهم الله، فتشهد عليهم أيديهم وألسنتهم، ثم يدخلهم النار"  

وقال ابن أبي حاتم أيضًا: حدثنا أبو شيبة إبراهيم بن عبد الله بن أبي شيبة الكوفي، حدثنا مِنْجَاب بن الحارث التميمي  حدثنا أبو عامر الأسَدِيَ، حدثنا سفيان، عن عبيد المُكْتب، عن فُضَيل بن عمرو الفُقَيمي، عن الشعبي، عن أنس بن مالك قال:كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فضحك حتى بدت نَوَاجذُه، ثم قال: "أتدرون  مِمَّ أضحك؟" قلنا: الله ورسوله أعلمقال:"من مجادلة العبد ربه يوم القيامة، يقول: يا رب ، ألم تُجِرْني من الظلم؟ فيقول: بلىفيقول: لا أجيز عليَّ شاهدًا إلا مننفسيفيقول: كفى بنفسك اليوم عليك شهيدا، وبالكرام عليك شهودا  فيختم على فيه، ويقال لأركانه: انطقي فتنطقبعمله، ثم يخلى بينه وبين الكلام، فيقول: بُعدًا لَكُنّ وسُحْقًا، فعنكُنَّ كنتُ أناضل"

وقد رواه مسلم والنسائي جميعا، عن أبي بكر بن أبي النضر، عن أبيه، عن عُبَيد الله  الأشجعي، عن سفيان الثوري، به  ثمقال النسائي: لا أعلم أحدا روى هذا الحديث عن سفيان الثوري غير  الأشجعي، وهو حديث غريب، والله أعلمهكذا قال

وقال قتادة: ابن آدم، والله إن عليك لَشُهودًا غيرَ متهمةفي بدنك، فراقبهم واتق الله في سرك  وعلانيتك، فإنه لا يخفى عليهخافية، والظلمة عنده ضوء  والسر عنده علانية، فمن استطاع أن يموت وهو بالله حسن الظن، فليفعل ولا قوة إلا بالله

وقوله: ( يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ ) قال ابن عباس: ( دِينَهُمُ ) أي: حسابهم، وكل ما في القرآن ( دِينَهُمُ ) أي: حسابهموكذا قال غير واحد

ثم إن قراءة الجمهور بنصب ( الْحَقَّ ) على أنه صفة لدينهم، وقرأ مجاهد بالرفع، على أنه نعت الجلالةوقرأها بعضالسلف في مصحف أبي بن كعب: "يومئذ يوفيهم الله الحقّ دينهم"  

وقوله: ( وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ ) أي: وعده ووعيده وحسابه هو العدل، الذي لا جور فيه.



تفسير الطبري 

القول في تأويل قوله تعالى :( إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ(23))

يقول تعالى ذكره: ( إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ ) بالفاحشة ( الْمُحْصَنَاتِ ) يعني العفيفات ( الْغَافِلاتِ ) عن الفواحش ( الْمُؤْمِنَاتِ ) باللهورسوله، وما جاء به من عند الله، ( لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ ) يقول: أبْعدوا من رحمة الله في الدنيا والآخرة، ( وَلَهُمْ ) فيالآخرة ( عَذَابٌ عَظِيمٌ ) وذلك عذاب جهنم.

واختلف أهل التأويل في المحصنات اللاتي هذا حكمهنّ، فقال بعضهم: إنما ذلك لعائشة خاصة، وحكم من الله فيها وفيمنرماها، دون سائر نساء أمة نبينا صلى الله عليه وسلم

ذكر من قال ذلك:

 حدثنا ابن أبي الشوارب، قال: ثنا عبد الواحد بن زياد، قال: ثنا خَصِيف، قال: قلت لسعيد بن جُبير: الزنا أشدّ أم قذفالمحصَنة؟ فقال: الزنا، فقلت: أليس الله يقول: ( إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ )... الآية؟ قال سعيد: إنما كان هذا لعائشةخاصة.

 حدثنا أحمد بن عبدة الضبي، قال: ثنا أبو عوانة، عن عمر بن أبي سَلَمة، عن أبيه، قال: قالت عائشة: رُميت بما رُميت بهوأنا غافلة، فبلغني بعد ذلك، قالت: فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم عندي جالس، إذ أوحي إليه، وكان إذا أوحي إليهأخذه كهيئة السبات، وأنه أُوحي إليه وهو جالس عندي، ثم استوى جالسا يمسح عن وجهه، وقال: يا عائشة أبشري،قالت: فقلت: بحمد الله لا بحمدك، فقرأ: ( إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ )... حتى بلغ:( أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّايَقُولُونَ) .

وقال آخرون: بل ذلك لأزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة، دون سائر النساء غيرهنّ.

ذكر من قال ذلك:

 حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَالْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ )... الآية، أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة.

وقال آخرون: نـزلت هذه الآية في شأن عائشة، وعني بها كلّ من كان بالصفة التي وصف الله في هذه الآية، قالوا: فذلكحكم كلّ من رمى محصنة، لم تقارف سُوءًا.

ذكر من قال ذلك:

 حدثنا عليّ بن سهل، قال: ثنا زيد، عن جعفر بن برقان، قال: سألت ميمونا، قلت: الذي ذكر الله:( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ) ... إلى قوله:( إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) فجعل في هذه توبة،وقال في الأخرى: ( إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ )... إلى قوله: ( لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) قال ميمون: أما الأولى فعسىأن تكون قد قارفت، وأما هذه، فهي التي لم تقارف شيئا من ذلك.

 حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا العوّام بن حوشب، عن شيخ من بني أسد، عن ابن عباس،قال: فسَّر سورة النور، فلما أتى على هذه الآية ( إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ )... الآية، قال: هذا في شأنعائشة وأزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم ، وهي مبهمة، وليست لهم توبة، ثم قرأ( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوابِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ) ... إلى قوله:( إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا) ... الآية، قال: فجعل لهؤلاء توبة، ولم يجعل لمن قذفأولئك توبة، قال: فهمّ بعض القوم أن يقوم إليه فيقبل رأسه من حسن ما فسَّر سورة النور.

 حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: ( إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَاوَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) قال: هذا في عائشة، ومن صنع هذا اليوم في المسلمات، فله ما قال الله، ولكن عائشة كانت إمامذلك.

وقال آخرون: نـزلت هذه الآية في أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم ، فكان ذلك كذلك حتى نـزلت الآية التي في أوّل السورةفأوجب الجلد، وقبل التوبة.

ذكر من قال ذلك:

 حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ( إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَالْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ )... إلى: ( عَذَابٌ عَظِيمٌ ) يعني أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم ، رماهنّ أهل النفاق،فأوجب الله لهم اللعنة والغضب وباءوا بسخط من الله، وكان ذلك في أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم ، ثم نـزل بعد ذلك:(وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ) ... إلى قوله:( فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) فأنـزل الله الجلد والتوبة، فالتوبةتُقبل، والشهادة تردّ.

وأولى هذه الأقوال في ذلك عندي بالصواب، قول من قال: نـزلت هذه الآية في شأن عائشة، والحكم بها عامّ في كلّ من كانبالصفة التي وصفه الله بها فيها.

وإنما قلنا ذلك أولى تأويلاته بالصواب؛ لأن الله عمَّ بقوله: ( إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ ) كلّ محصنةغافلة مؤمنة، رماها رام بالفاحشة، من غير أن يخصَّ بذلك بعضا دون بعض، فكلّ رام محصنة بالصفة التي ذكر الله جلّثناؤه في هذه الآية فملعون في الدنيا والآخرة، وله عذاب عظيم، إلا أن يتوب من ذنبه ذلك قبل وفاته، فإن الله دلّ باستثنائهبقوله:( إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا) على أن ذلك حكم رامي كل محصنة، بأيّ صفة كانت المحصنة المؤمنة المرمية،وعلى أن قوله: ( لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) معناه: لهم ذلك إن هلكوا ولم يتوبوا.



تفسير السعدي 

فنزلت هذه الآية، ينهاهم عن هذا الحلف المتضمن لقطع النفقة عنه، ويحثه على العفو والصفح، ويعده بمغفرة الله إن غفرله، فقال: (  أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ )  إذا عاملتم عبيده، بالعفو والصفح، عاملكم بذلك، فقال أبو بكر - لماسمع هذه الآية-: بلى، والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع النفقة إلى مسطح، وفي هذه الآية دليل على النفقة علىالقريب، وأنه لا تترك النفقة والإحسان بمعصية الإنسان، والحث على العفو والصفح، ولو جرى عليه ما جرى من أهلالجرائم.

ثم ذكر الوعيد الشديد على رمي المحصنات فقال: (  إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ )  أي: العفائف عن الفجور (  الْغَافِلاتِ )  التي لم يخطر ذلك بقلوبهن (  الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ )  واللعنة لا تكون إلا على ذنب كبير

 وأكد اللعنة بأنها متواصلة عليهم في الدارين (  وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ )  وهذا زيادة على اللعنة، أبعدهم عن رحمته، وأحل بهمشدة نقمته

 وذلك العذاب يوم القيامة (  يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ )  فكل جارحة تشهد عليهم بماعملته، ينطقها الذي أنطق كل شيء، فلا يمكنه الإنكار، ولقد عدل في العباد، من جعل شهودهم من أنفسهم، (  يَوْمَئِذٍيُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ )  أي: جزاءهم على أعمالهم، الجزاء الحق، الذي بالعدل والقسط، يجدون جزاءها موفرا، لم يفقدوامنها شيئا، (  وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُرَبُّكَ أَحَدًا ) ويعلمون في ذلك الموقف العظيم، أن الله هو الحق المبين، فيعلمون انحصار الحق المبين في الله تعالى

فأوصافه العظيمة حق، وأفعاله هي الحق، وعبادته هي الحق، ولقاؤه حق، ووعده ووعيده، وحكمه الديني والجزائي حق،ورسله حق، فلا ثم حق، إلا في الله وما من الله.





       ├┬┴┬┴┬┴┬┴┤

  (¯`·._.·(¯`·._.··._.·´¯)·._.·´¯)

       ├┬┴┬┴┬┴┬┴┤




ما روي عن النبي  في « الْقَذْفِ و اللِّعَانِ »


صحيح البخاري  كِتَابُ الطَّلَاقِبَابُ اللِّعَانِ.

بَابُ اللِّعَانِ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ } إِلَى قَوْلِهِ : { مِنَ الصَّادِقِينَ }. فَإِذَاقَذَفَ الْأَخْرَسُ امْرَأَتَهُ بِكِتَابَةٍ أَوْ إِشَارَةٍ أَوْ بِإِيمَاءٍ مَعْرُوفٍ، فَهُوَ كَالْمُتَكَلِّمِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَجَازَ الْإِشَارَةَ فِيالْفَرَائِضِ، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَهْلِ الْحِجَازِ وَأَهْلِ الْعِلْمِ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّاوَقَالَ الضَّحَّاكُ : { إِلَّا رَمْزًا } إِلَّا إِشَارَةًوَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ : لَا حَدَّ وَلَا لِعَانَثُمَّ زَعَمَ أَنَّ الطَّلَاقَ بِكِتَابٍ أَوْ إِشَارَةٍ أَوْ إِيمَاءٍجَائِزٌ، وَلَيْسَ بَيْنَ الطَّلَاقِ وَالْقَذْفِ فَرْقٌ، فَإِنْ قَالَ : الْقَذْفُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِكَلَامٍقِيلَ لَهُ : كَذَلِكَ الطَّلَاقُ، لَا يَجُوزُ إِلَّا بِكَلَامٍ، وَإِلَّا بَطَلَالطَّلَاقُ وَالْقَذْفُ، وَكَذَلِكَ الْعِتْقُ، وَكَذَلِكَ الْأَصَمُّ يُلَاعِنُوَقَالَ الشَّعْبِيُّ وَقَتَادَةُ : إِذَا قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌفَأَشَارَ بِأَصَابِعِهِ، تَبِينُ مِنْهُبِإِشَارَتِهِوَقَالَ إِبْرَاهِيمُ : الْأَخْرَسُ إِذَا كَتَبَ الطَّلَاقَ بِيَدِهِ، لَزِمَهُوَقَالَ حَمَّادٌ : الْأَخْرَسُ وَالْأَصَمُّ إِنْ قَالَ بِرَأْسِهِ، جَازَ.


فتح الباري بشرح صحيح البخاري

قوله: ( باب اللعان ) هو مأخوذ من اللعن لغة ، لأن الملاعن يقول " { لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين } " واختير لفظ اللعندون الغضب في التسمية لأنه قول الرجل، وهو الذي بدئ به في الآية، وهو أيضا يبدأ به، وله أن يرجع عنه فيسقط عنالمرأة بغير عكس، وقيل سمي لعانا لأن اللعن الطرد والإبعاد وهو مشترك بينهما، وإنما خصت المرأة بلفظ الغضب لعظمالذنب بالنسبة إليها، لأن الرجل إذا كان كاذبا لم يصل ذنبه إلى أكثر من القذف، وإن كانت هي كاذبة فذنبها أعظم لما فيهمن تلويث الفراش والتعرض لإلحاق من ليس من الزوج به، فتنتشر المحرمية، وتثبت الولاية والميراث لمن لا يستحقهماواللعان والالتعان والملاعنة بمعنى، ويقال تلاعنا والتعنا ولاعن الحاكم بينهما والرجل ملاعن والمرأة ملاعنة لوقوعه غالبامن الجانبين وأجمعوا على مشروعية اللعان وعلى أنه لا يجوز مع عدم التحققواختلف في وجوبه على الزوج، لكن لوتحقق أن الولد ليس منه قوي الوجوب.

قوله: ( وقول الله تعالى: {والذين يرمون أزواجهمإلى قوله {إن كان من الصادقين } ) كذا للأكثر، وساق في رواية كريمةالآيات كلها، وكأن البخاري تمسك بعموم قوله تعالى: {يرمونلأنه أعم من أن يكون باللفظ أو بالإشارة المفهمة، وقد تمسكغيره للجمهور بها في أنه لا يشترط في الالتعان أن يقول الرجل رأيتها تزني، ولا أن ينفي حملها إن كانت حاملا أو ولدهاإن كانت وضعت خلافا لمالك، بل يكفي أن يقول إنها زانية أو زنت، ويؤيده أن الله شرع حد القذف على الأجنبي برميالمحصنة، ثم شرع اللعان برمي الزوجة، فلو أن أجنبيا قال يا زانية وجب عليه حد القذف، فكذلك حكم اللعانوأوردوا علىالمالكية الاتفاق على مشروعية اللعان للأعمى فانفصل عنه ابن القصار بأن شرطه أن يقول لمست فرجه في فرجها، واللهأعلم.

قوله: (فإذا قذف الأخرس امرأته بكتابة ) بمثناة ثم موحدة، وعند الكشميهني " بكتاب " بلا هاء.

قوله: (أو إشارة أو إيماء معروف في اللعان فهو كالمتكلم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أجاز الإشارة في الفرائض) أيفي الأمور المفروضة.

قوله: (وهو قول بعض أهل الحجاز وأهل العلم) أي من غيرهم، وخالف الحنفية والأوزاعي وإسحاق، وهي رواية عن أحمداختارها بعض المتأخرين.

قوله: (وقال الله تعالى: {فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا } ) أخرج ابن أبي حاتم من طريق ميمون بنمهران قال: لما قالوا لمريم: { لقد جئت شيئا فريا } إلخ، أشارت إلى عيسى أن كلموه، فقالوا: تأمرنا أن نكلم من هو في المهدزيادة على ما جاءت به من الداهية، ووجه الاستدلال به أن مريم كانت نذرت أن لا تتكلم فكانت في حكم الأخرس فأشارتإشارة مفهمة اكتفوا بها عن معاودة سؤالها وإن كانوا أنكروا عليها ما أشارت به، وقد ثبت من حديث أبي بن كعب وأنسبن مالك أن معنى قوله تعالى: {إني نذرت للرحمن صوماأي صمتا أخرجه الطبراني وغيره.

قوله: (وقال الضحاك) أي ابن مزاحم " إلا رمزا: إشارة " وصله عبد بن حميد وأبو حذيفة في تفسير سفيان الثوريولفظهما عنه في قوله تعالى: {آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا } فاستثنى الرمز من الكلام فدل على أن له حكمهوأغرب الكرماني فقال: الضحاك هو ابن شراحيل الهمداني، فلم يصب فإن المشهور بالتفسير هو ابن مزاحم، وقد وجد الأثرالمذكور عنه مصرحا أنه ابن مزاحم، وأما ابن شراحيل ويقال ابن شرحبيل فهو من التابعين لكن لم ينقلوا عنه شيئا منالتفسير، بل له عند البخاري حديثان فقط أحدهما في فضائل القرآن والآخر في استتابة المرتدين وكلاهما من روايته عنأبي سعيد الخدري قال: الرمز الإشارة.

قوله: (وقال بعض الناس لا حد ولا لعان) أي بالإشارة من الأخرس وغيره(ثم زعم إن طلق بكتابة أو إشارة أو إيماء جاز)كذا لأبي ذر، ولغيره أن الطلاق بكتابة إلخ.

قوله: (وليس بين الطلاق والقذف فرق، فإن قال القذف لا يكون إلا بكلام قيل له: كذلك الطلاق لا يكون إلا بكلام ) أي وأنتوافقت على وقوعه بغير الكلام فلزمك مثله في اللعان والحد.

قوله: (وإلا بطل الطلاق والقذف، وكذلك العتق) يعني إما أن يقال باعتبار الإشارة فيها كلها أو بترك اعتبارها فتبطل كلهابالإشارة، وإلا فالتفرقة بينهما بغير دليل تحكم، وقد وافقه بعض الحنفية على هذا البحث وقال: القياس بطلان الجميع،لكن عملنا به في غير اللعان والحد استحسانا، ومنهم من قال: منعناه في اللعان والحد للشبهة لأنه يتعلق بالصريحكالقذف فلا يكتفى فيه بالإشارة لأنها غير صريحة، وهذه عمدة من وافق الحنفية من الحنابلة وغيرهم، ورده ابن التين بأنالمسألة مفروضة فيما إذا كانت الإشارة مفهمة إفهاما واضحا لا يبقى معه ريبة، ومن حجتهم أيضا أن القذف يتعلقبصريح الزنا دون معناه، بدليل أن من قال لآخر وطئت وطئا حراما لم يكن قذفا لاحتمال أن يكون وطئ وطء شبهة فاعتقدالقائل أنه حرام، والإشارة لا يتضح بها التفصيل بين المعنيين، ولذلك لا يجب الحد في التعريض، وأجاب ابن القصاربالنقض عليهم بنفوذ القذف بغير اللسان العربي وهو ضعيف، ونقض غيره بالقتل فإنه ينقسم إلى عمد وشبه عمد وخطأويتميز بالإشارة وهو قوي، واحتجوا أيضا بأن اللعان شهادة وشهادة الأخرس مردودة بالإجماع، وتعقب بأن مالكا ذكرقبولها فلا إجماع، وبأن اللعان عند الأكثر يمين كما سيأتي البحث فيه.

قوله: ( وكذلك الأصم يلاعن ) أي إذا أشير إليه حتى فهم، قال المهلب: في أمره إشكال، لكن قد يرتفع بترداد الإشارة إلى أنتفهم معرفة ذلك عنهقلت: والاطلاع على معرفته بذلك سهل لأنه يعرف من نطقه.

قوله: (وقال الشعبي وقتادة: إذا قال أنت طالق فأشار بأصابعه تبين منه بإشارته) وصله ابن أبي شيبة بلفظ: " سئلالشعبي فقال سئل رجل مرة أطلقت امرأتك قال فأومأ بيده بأربع أصابع ولم يتكلم ففارق امرأته " . قال ابن التين: معناهأنه عبر عما نواه من العدد بالإشارة فاعتدوا عليه بذلك.

قوله: ( وقال إبراهيم: الأخرس إذا كتب الطلاق بيده لزمه ) وصله ابن أبي شيبة بلفظه، وأخرجه الأثرم عن ابن أبي شيبةكذلك، وأخرجه عبد الرزاق بلفظ الرجل يكتب الطلاق ولا يلفظ به أنه كان يراه لازما، ونقل ابن التين عن مالك أن الأخرس إذاكتب الطلاق أو نواه لزمه؛ وقال الشافعي: لا يكون طلاقا، يعني أن كلا منهما على انفراده لا يكون طلاقا، أما لو جمعهمافإن الشافعي يقول بالوقوع سواء كان ناطقا أم أخرس.

قوله: (وقال حماد: الأخرس والأصم إن قال برأسه جاز) هو حماد بن أبي سليمان شيخ أبي حنيفة، فكأن البخاري أراد إلزامالكوفيين بقول شيخهم، ولا يخفى أن محل الجواز حيث يسبق ما ينطبق عليه من الإيماء بالرأس الجواب.

ثم ذكر المصنف في الباب خمسة أحاديث تتعلق بالإشارة أيضا.



مسند أحمد  مُسْنَدُ الْأَنْصَارِ  حَدِيثُ أَبِي الْمُنْذِرِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ  حَدِيثُ أَبِي الْعَالِيَةِ الرِّيَاحِيِّ عَنْأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ

21227  (المجلد : 35 الصفحة : 151)

حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، فِي قَوْلِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : { هُوَ الْقَادِرُ عَلَىأَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ } الْآيَةَقَالَ : هُنَّ أَرْبَعٌ، وَكُلُّهُنَّ عَذَابٌ، وَكُلُّهُنَّ وَاقِعٌ لَا مَحَالَةَ، فَمَضَتِ اثْنَتَانِ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِاللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً، فَأُلْبِسُوا شِيَعًا، وَذَاقَ بَعْضُهُمْ بَأْسَ بَعْضٍ، وَبَقِيَ ثِنْتَانِ وَاقِعَتَانِ لَا مَحَالَةَ :الْخَسْفُ وَالرَّجْمُ.

حكم الحديث: إسناده ضعيف


21228  (المجلد : 35 الصفحة : 152)

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ شَقِيقٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ أَبِيالْعَالِيَةِ ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، فِي قَوْلِهِ : { قُلْ هُوَ الْقَادِرُ } . فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَقَالَ فِي حَدِيثِهِ : الْخَسْفُ وَالْقَذْفُ.

حكم الحديث: إسناده ضعيف


مسند أحمد  مُسْنَدُ الْأَنْصَارِ  حَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

22231  (المجلد : 36 الصفحة : 563)

حَدَّثَنَا سَيَّارُ بْنُ حَاتِمٍ ، حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ ، قَالَ : أَتَيْتُ فَرْقَدًا يَوْمًا، فَوَجَدْتُهُ خَالِيًا، فَقُلْتُ : يَا ابْنَ أُمِّ فَرْقَدٍ، لَأَسْأَلَنَّكَ الْيَوْمَ عَنْ هَذَاالْحَدِيثِ، فَقُلْتُ : أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِكَ فِي الْخَسْفِ وَالْقَذْفِ، أَشَيْءٌ تَقُولُهُ أَنْتَ، أَوْ تَأْثُرُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ: لَا، بَلْ آثُرُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَقُلْتُ : وَمَنْ حَدَّثَكَ ؟ قَالَ : حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عَمْرٍو الْبَجَلِيُّ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ،عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَحَدَّثَنِي قَتَادَةُ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَحَدَّثَنِي بِهِ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّىاللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " تَبِيتُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى أَكْلٍ وَشُرْبٍ، وَلَهْوٍ وَلَعِبٍ، ثُمَّ يُصْبِحُونَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ، وَيُبْعَثُ عَلَى أَحْيَاءٍمِنْ أَحْيَائِهِمْ رِيحٌ، فَتَنْسِفُهُمْ كَمَا نَسَفَتْ مَنْ كَانَ قَبْلَهُمْ ؛ بِاسْتِحْلَالِهِمُ الْخُمُورَ، وَضَرْبِهِمْ بِالدُّفُوفِ، وَاتِّخَاذِهِمُ الْقَيْنَاتِ ".

حكم الحديث: هذا الحديث له ثلاثة أسانيد، الأول: ضعيف لضعف سيار بن حاتم وضعف فرقد:وهو ابن يعقوب السبخيوالثاني: فرقد عن قتادة عن سعيد بن المسيب مرسلاًوالثالث: فرقدعن إبراهيم النخعي، وهذا إسناد معضل.




كِتَابٌ : الْحُدُودُ  الْحَدُّ فِي الْقَذْفِ وَالنَّفْيُ وَالتَّعْرِيضُ

2398  (المجلد : 2 الصفحة : 392)

حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ قَذَفَ قَوْمًا جَمَاعَةً : أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا حَدٌّ وَاحِدٌقَالَ مَالِكٌ : وَإِنْتَفَرَّقُوا فَلَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا حَدٌّ وَاحِدٌ.

حكم الحديث: رجاله ثقات.


المنتقى شرح موطأ مالك

قوله في قاذف الجماعة ليس عليه إلا حد واحد قاله مالك وأصحابه في غير ما كتاب سواء قذفهم مجتمعين أو مفترقينفحد لهم أو لواحد منهم فذلك لكل قذف قام طالبوه أو لم يقوموا ، ووجه ذلك أنه حد من الحدود فتداخل كحد الزنا والقطعفي السرقة ، وبهذا فارق حقوق الآدميين فإنها لا تتداخل ، وقد روى عيسى عن ابن القاسم في العتبية فيمن قذف قوماوشرب خمرا فإنه يجزئه لذلك حد واحد قال عيسى يريد أنه من حد القذف مستخرج ، ووجه ذلك عندي أن الحدين إذاتساويا في القدر والصفة تداخلا كالحدين سببهما واحد .

( مسألة ) ومن قذف فحد في القذف فلم يكمل جلده حتى قذف رجلا آخر فقد روى ابن حبيب عن ابن الماجشون إن كانمضى مثل السوط والأسواط اليسيرة قال أشهب والعشرة الأسواط يسيرة قال ابن الماجشون فإنه يتمادى ويجزيه لهماقال ابن القاسم في الموازية إذا جلد من الحد الأول شيئا ، ثم قذف ثانيا فإنه يأتنف من حين الثانية وبه قال ربيعة وإن بقيمثل سوط أو أسواط أتم ، ثم ابتدأ حدا ثانيا قال ابن المواز إذا لم يبق إلا أيسر الحد مثل العشرة والخمسة عشر فليتم الحدثم يؤتنف قال أشهب : وإن ضرب نصف الحد أو أكثر أو أقل قليلا فليؤتنف حينئذ قال ابن الماجشون إن مضى مثلالثلاثين والأربعين ونحوهما ابتدأ لهما فيجيء على قول أشهب أنه على ثلاثة أقسام : قسم إذا ذهب اليسير تمادى وأجزأالحد لهما ، وقسم ثان إذا مضى نصف الحد أو ما يقرب منه استؤنف لهما فكان من حد الأول ، ثم يتم للمقذوف الثانيبقية حده من حين قذف ، وقسم ثالث أن لا يبقى إلا اليسير من الحد الأول فإنه يتم الحد الأول ، ثم يستأنف للثاني وعلىمذهب ابن القاسم على قسمين أحدهما أنه متى مضى شيء من الحد الأول أنه لا يستأنف من حين القذف الثاني لهما ولايحسب بما مضى من الحد الأول ، والقسم الثاني أن يبقى اليسير فيتم حد الأول ثم يستأنف الحد للثاني فلا يتداخلالحدان والله أعلم وأحكم .

( مسألة ) ومن قذف مجهولا فلا حد عليه قاله ابن المواز وروي في رجل قال لجماعة أحدكم زان وابن زانية فلا يحد إذ لايعرف من أراد ، وإن أقام به جميعهم فقد قيل لا حد عليه ، وإن قام به أحدهم فادعى أنه أراده لم يقبل منه إلا بالبيان أنهأراده ، ولو عرف من أراده لم يكن للإمام أن يحده إلا بعد أن يقوم عليه ، ومعنى ذلك أن حد المقذوف من شرط وجوبه أن يقومبه وليه فإذا لم يتعين المقذوف لم يصح قيام أحد به ولا يتعلق به حق لله تعالى إلا بعد أن يقوم به عنده من هو ولي فيه ،وكذلك لو سمع الإمام رجلا يقذف رجلا لم يكن عليه أن يعرفه فإذا قام به ، وثبت عنده تعلق به حق لله تعالى فلم يكن لوليهالقائم به العفو عنه .

( مسألة ) ومن قال لرجل يا زوج الزانية وتحته امرأتان فعفت إحداهما وقامت الأخرى تطلبه ففي العتبية والواضحة عنابن القاسم يحلف ما أراد إلا التي عفت ، ويبرأ فإن نكل حد ، ومعنى ذلك أن عفو المقذوف قبل القيام لازم له وجائز عليه فلماعفت إحداهما عنه سقط حقها من ذلك ، ولو قامت الثانية ، وكان اللفظ محتملا أنه أرادها حلف أنه ما أرادها فإن لم يحلفحد للتي قامت ، وإن حلف ثبت قذفه للتي عفت فسقط عنه الحد .

( فرع ) وقوله في هذه المسألة أن إحداهما إن قامت وقد عفت الأخرى حلف لها وإلا حد ، قال ابن المواز في القائل لجماعةأحدكم زان إن قام به أحدهم فادعى أنه أراده لم يقبل منه إلا بالبيان يريد أنه أراده ، وإن قام جميعهم فقد قيل لا يحد لهميحتمل أن الجماعة في مسألة ابن المواز خرجوا بكثرتهم عن حد التعيين ، وأن الاثنين في مسألة العتبية وما قرب من ذلكفي حيز المعين ، ويحتمل أن يكون اختلافا من القولين والله أعلم وأحكم .




كِتَابٌ : الْحُدُودُ  الْحَدُّ فِي الْقَذْفِ وَالنَّفْيُ وَالتَّعْرِيضُ

2399  (المجلد : 2 الصفحة : 392)

حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الرِّجَالِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ النُّعْمَانِ الْأَنْصَارِيِّ ، ثُمَّ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ، عَنْ أُمِّهِ عَمْرَةَ بِنْتِعَبْدِ الرَّحْمَنِ ، أَنَّ رَجُلَيْنِ اسْتَبَّا فِي زَمَانِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ : وَاللَّهِ، مَا أَبِي بِزَانٍ، وَلَا أُمِّي بِزَانِيَةٍفَاسْتَشَارَفِي ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَقَالَ قَائِلٌ : مَدَحَ أَبَاهُ وَأُمَّهُوَقَالَ آخَرُونَ، قَدْ كَانَ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ مَدْحٌ غَيْرُ هَذَا، نَرَى أَنْ تَجْلِدَهُ الْحَدَّفَجَلَدَهُ عُمَرُ الْحَدَّ ثَمَانِينَ.

حكم الحديث: إسناده صحيح.


2400  (المجلد : 2 الصفحة : 392)

قَالَ مَالِكٌ : لَا حَدَّ عِنْدَنَا إِلَّا فِي نَفْيٍ، أَوْ قَذْفٍ، أَوْ تَعْرِيضٍ يُرَى أَنَّ قَائِلَهُ إِنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ نَفْيًا أَوْ قَذْفًا، فَعَلَى مَنْ قَالَ ذَلِكَ الْحَدُّتَامًّا.


2401  (المجلد : 2 الصفحة : 392)

قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّهُ إِذَا نَفَى رَجُلٌ رَجُلًا مِنْ أَبِيهِ ؛ فَإِنَّ عَلَيْهِ الْحَدَّوَإِنْ كَانَتْ أُمُّ الَّذِي نُفِيَ مَمْلُوكَةً ؛ فَإِنَّ عَلَيْهِ الْحَدَّ.



المنتقى شرح موطأ مالك

قوله أن أحد الرجلين اللذين استبا في زمن عمر بن الخطاب قال للآخر والله ما أمي بزانية يقتضي أنه قال له ذلك على وجهالمشاتمة ، والمفهوم في لسان العرب من هذا إضافة مثل هذا إلى أم المسبوب وفجره عليه بسلامة أمه بذلك مع شاهد الحالمن المشاتمة يقتضي أن أم المسبوب معيبة بذلك ، ولو استويا في السلامة لم يكن هذا وقت ذكرها ؛ لأنه لا يتضمن ذلك مزيةللساب على المسبوب ، ولما كان اللفظ فيه بعض احتمال ، ويحتاج في كونه قذفا إلى نوع من الاستدلال أو التأويل أوالعدول عن ظاهر هذا اللفظ استشار فيه عمر بن الخطاب علماء الصحابة فتعلق بعضهم بظاهر اللفظ ، وقال مدح أباه ،وتعلق بعضهم بالمفهوم منه مع شاهد الحال ، وقد كان لأمه مدح غير هذا يريد ليس هذا مما يقصد به الإنسان مدح أمه ،وإنما يمدحه بالصفات المحمودة في الغالب ، وإنما يقصد إلى وصفها بهذا البر في فضلها على من يوجد فيها هذهالمعايب لا سيما مع ما يشهد لذلك من حال المشاتمة وقصد كل واحد منهما إلى ذم الآخر وذم أبويه ، وذلك يقتضي ذكر أبيهمن الفضائل بما يوجد في أب من شاتمه ضد ذلك من المثالب ، ولذلك أخذ عمر بن الخطاب بقول من أوجب فيه حد القذفوبه قال مالك قال من السنة أن لا يجلد أحد حد قذف إلا في قذف مصرح أو تعريض أو حمل يظهر بامرأة غير طارئة ، وقدجلد عمر بن الخطاب في التعريض ، وقال حق الله لا ترعى جوانبه وبه قال عمر بن عبد العزيز . وقال أبو حنيفة والشافعيليس في التعريض حد والدليل على صحة ما نقوله ما استدل به القاضي أبو محمد أنه لفظ يفهم منه القذف فوجب أنيكون قذفا أصله التصريح قال فإن منعوا أن يكون قذفا فقد أحالوا المسألة ؛ لأن الخلاف بيننا وبينهم إنما هو فيما يفهمبالتصريح فإذا لم يفهم ذلك فلا خلاف في أنه لا حد فيه ، وجواب ثان وهو أن عرف التخاطب ينفي ما قالوا ؛ لأن أهل اللغةيسمون التعريض بما فهم منه معنى التصريح ، ولذلك أخبر الله عن قوم شعيب عليه السلام أنهم قالوا أصلاتك تأمرك أننترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد ، وإنما أرادوا ضد ذلك ودليلنا من جهة المعنىأيضا أن العلم بمقاصد المخاطب يعلم بالمشاهدة ضرورة كما يعلم ضرورة العلم بما يقع منه من خجل أو غضب أو جزع أومرض أو استعمال .

( مسألة ) إذا قال رجل لرجل في مشاتمة إني لعفيف الفرج وما أنا بزان ففي الموازية عليه الحد ، وقال ابن الماجشون منقال لامرأة في مشاتمة إني لعفيف عليه الحد ولو قاله لرجل عليه الحد إلا أن يدعي أنه أراد به عفيف في المكسب والمطعمفيحلف ولا حد عليه وينكل ؛ لأن المرأة لا يعرض لها بذكر العفاف في المكسب ، والرجل يعرض له بذلك قال عبد الملك ومن قالفي مشاتمته إنك لعفيف الفرج حد قال ابن القاسم ومن قال فعلت بفلانة في أعكانها أو بين فخذيها حد وقال أشهب لا يحد، ووجه قول ابن القاسم أن ما قال هو من التعريض بل هو أشد من التعريض ، ووجه قول أشهب أنه لا يفهم منه الجماعفلا يجب به الحد ، وإنما يجب الحد على من قذفها بما يوجب الحد .

( مسألة ) ومن قال لرجل يا ابن العفيفة فقد قال ابن وهب بلغني عن مالك يحلف ما أراد القذف ويعاقب وقال أصبغ إن قالهعلى وجه المشاتمة حد .

( فصل ) ومن قال لآخر ما لك أصل ولا فصل ففي العتبية عن مالك لا حد عليه وقال أصبغ عليه الحد وقيل ألا أن يكون منالعرب ففيه الحد ، ووجه قول مالك إنه إنما نفى صفة أصله ، ويحتمل أن ينفي بذلك الشرف وأما أصله فمحل نفيه ؛ لأنه مامن أحد إلا له أصل ، ووجه قول أصبغ أن اللفظ يقتضي نفي النسب وهو الأصل ، وذلك يوجب الحد ، ووجه قول من فرقبين العرب والعجم أن العرب هي التي تتماسك بالأنساب وتحافظ عليها دون العجم .

( مسألة ) ومن قال يا ابن منزلة الركبان ففي الواضحة أنه يحد ، وكذلك من قال يا ابن ذات الراية وذلك أنه كان في الجاهليةالمرأة البغي تنزل الركبان ، وتجعل على بابها راية وفي الموازية من قال لرجل أنا أفتري عليك وأنا أقذفك فلا حد عليه ،ويحلف أنه ما أراد الفاحشة .

( مسألة ) وهذا في الأجانب ، وأما الأب فقد قال مالك لا يحد في التعريض بابنه ، ويحتمل أن يكون ذلك ما علم وجبل عليهالأب من محبة الولد والإشفاق عليه والحرص على الثناء عليه ودفع الذم عنه ، يمنع من أن يتناول في لفظ يحتمل أنه أرادبه القذف وإضافة العيب إليه قال ابن حبيب عن ابن الماجشون عن مالك ، وهذا كما قلنا أنه لا يقتل به على وجه لو قتل بهالأجنبي لقتل ، ويحتمل أن يدرأ عنه على قول أصبغ فإذا قلنا بالوجه الأول فلا يجب أن يحد الابن بالتعريض للأب ؛ لأنحرص الولد على إطراء الوالد ودفع المعايب عنه أمر جبل عليه الأبناء كالأب في حق الابن وأكثر وإذا قلنا بقول أصبغفيحتمل الوجهين والله أعلم .


قوله في الرجل ينفي الرجل من أبيه أن عليه الحد ، وذلك إذا نفاه عن أبيه فقد رمى أمه بالزنا وقطع نسبه وكلا الأمرينيوجب حد القذف ، وذلك يكون بأن ينفيه عن أبيه أو ينسبه إلى غير أبيه فأما نفيه عن أبيه فبأن يقول له لست ابن فلانويسمي أباه المعروف فإنه يحد ، وكذلك لو قال لست لأبيك وقال ابن القاسم وأشهب في القائل للمسلم ليس أبوك فلانايعني جده ، ثم قال إنما أردت ليس ابنه لصلبه ولم أرد نفيه حد ولم يصدق قال أشهب إلا أن يكون له وجه مثل أن يسمعهيقول أنا فلان بن فلان ، فيذكر جده فيقول ليس بأبيك .

( فرع ) وهذا إذا كان غير مجهول فإن كان مجهولا لم يحد قال محمد ، وذلك أن المجهولين لا يثبت بينهم ما ادعوه منالأنساب .

( فرع ) ومن نفى رجلا من جده فقال لست ابن فلان يريد جده وإن كان الجد مشركا حد مثل نفيه عن أبيه العبد أو المشركرواه محمد عن أصبغ قال مالك ومن نفى نصرانيا عن أبيه وللنصراني ولد مسلم لم يحد حتى يقول للمسلم ليس أبوكفلانا يعني الجد ما لم يكن أبوه وجده مجهولا ، ووجه ذلك أنه إذا نفى النصراني عن أبيه فإنما تناول نفيه قطعالنصراني ، وذلك لا يوجب الحد كما لا يوجبه قذفه وإن نفى المسلم عن نسبه المعلوم وجب عليه الحد ؛ لأنه حق للمسلموقد قطع نسبه .

( مسألة ) وإذا قال الرجل للرجل لا أب لك ففي الموازية لا شيء عليه إلا أن يريد به النفي ، وهذا مما يقوله الناس علىالرضا ، وأما من قال على المشاتمة والغضب فذلك شديد وليحلف ما أراد نفيه ومعنى ذلك أن هذا لفظ جرت عادة العربباستعماله على وجه غير النفي فإذا اقترن بذلك من شاهد الحال ما يدل على أن المراد به غير النفي فهو محمول علىالمعتاد ، وإذا اقترن به من المشاتمة والمضاجرة ما يقوي شبهة القذف أحلف أنه ما أراد القذف لما احتمل الأمرين فإن حلفبرئ .

( مسألة ) ومن قال لرجل ليس لك أصل ولا فصل ففي الموازية لا حد عليه وقال أصبغ فيه الحد وقيل إلا أن يكون من العربففيه الحد وروى ابن حبيب عن ابن الماجشون أنه إن قاله في مشاتمة فإن لم يكن من العرب ففيه الأدب الخفيف مع السجنوإن قاله لعربي حد ؛ لأنه قطع نسبه إلا أن يعذر بجهل فيحلف ما أراد قطع نسبه ، وعليه ما على من قاله لغير العربي ،وإن لم يكن يحلف حد ، ووجه القول الأول أن هذا اللفظ قد يستعمل على غير وجه القذف وقطع النسب ، وإنما يراد به أنينسب إلى الضعة والخمول ونفي الشرف فلا يجب ذلك الحد ، وإنما يجب به العقوبة ، ووجه قول أصبغ أن مقتضى اللفظفي موضوع اللغة نفي النسب ولا يكاد يستعمل إلا في مشاتمة فحمل على ذلك ووجه الفرق بين العرب والعجم أن العربهي التي تتعلق بالأنساب ، ويتواصل بها وتتفاخر باتصالها وتذم بانقطاعها فاختص هذا الحكم بها .

( مسألة ) ومن نسب رجلا إلى غير أبيه فقال أنت ابن فلان نسبه إلى غير أبيه أو غير جده فقد قال ابن القاسم عليه الحد ،وإن لم يقله على سباب ولا غضب إلا أن يقوله على وجه الإخبار وقال أشهب لا يحد إلا أن يقوله على وجه السباب ؛ لأنه قديقوله وهو يرى أنه كذلك .

( فرع ) ولو نسبه إلى جده في مشاتمة لم يحد قاله ابن القاسم ، وقال أشهب يحد قال محمد قول ابن القاسم أحب إلي إلاأن يعرف أنه أراد القذف مثل أن يتهم الجد بأمه ونحوه ، وإلا لم يحد فقد نسب إليه لشبهه في خلق أو طبع .

( فرع ) ومن نسب رجلا إلى عم أو خال أو زوج أمه فعليه الحد عند ابن القاسم قال أشهب لا حد عليه إلا أن يقوله فيمشاتمة ، وقاله أصبغ ومحمد قال أصبغ وقد سمى الله عز وجل في كتابه العم أبا فقال إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيلوإسحاق .

( مسألة ) ومن قال لرجل يا ابن البربري أو يا ابن النبطي فإن كان قال ذلك لعربي حد ، وإن كان قاله لمولى فقد قال ابنالماجشون : إن قال له يا ابن البربري وأبوه فارسي فلا حد عليه في البياض كله ، وإن كان أبوه أسود فلا شيء عليه فيالسواد كله إذا نسبه إلى غير جنسه من السواد ، إلا أن يكون أبيض فيكون ذلك نفيا ويحد مثل أن يقول لأسود يا ابنالفارسي فإنه يحد ، وفي الموازية من قال لمولى يا ابن الأسود حد ، ومن قال له يا ابن الحبشي لم يحد ؛ لأن من دعا مولىإلى غير جنسه لم يحد ، وإن دعاه إلى غير لونه وصفته حد ، وكذلك من خرج به إلى لون ليس في آبائه ذلك اللون حد مثليا ابن الأزرق أو الأصهب أو الأبيض أو الأحمر أو الأعور أو الأقطع ففيه الحد ، وإن قال لمولى إلا أن يكون في آبائه من هوكذلك لم يحد يريد في قوله يا ابن كذا قال مالك ومن قال لنوبي يا ابن الأسود فهذا قريب فاقتضى ذلك أنه إن كان من جنسالأبيض ينسبه إلى غير جنسه أو وصفه بصفة ذلك الجنس فلا شيء عليه ، وإن وصفه بصفة غير ذلك الجنس مثل أنيكون من السودان فيصفه بالبياض ، أو يصفه بصفة لا تختص بجنس لكنها معدومة في آبائه فهذا يتعلق به الحد .

( مسألة ) ومن قال لرجل مسلم يا ابن اليهودي أو يا ابن النصراني أو يا ابن عابد وثن فقد قال ابن القاسم إلا أن يكون فيآبائه من هو على ذلك فينكل قال أشهب لا يحد إذا حلف أنه لم يرد نفيا ، ولو قال له يا ابن الخياط أو الحداد أو يا ابنالحائك أو يا ابن الحجام فروى ابن القاسم وابن وهب عن مالك إن كان عربيا حد إلا أن يكون في آبائه من هو كذلك ، وقالهما سواء ولا حد عليه ، ويحلف ما أراد نفيا وإن لم تكن له بينة ، وكأنه قال له أبوك الذي ولدك حجام أو حائك فلا حد فيهوإن كان عربيا .

( فصل ) وقوله وإن كانت أم الذي نفي مملوكة فإن عليه الحد ، يريد أن الحد واجب عليه لقطع نسبه ، وفي الموازية فيمنقال لرجل يا ولد الزنا أو أنت لزنا أو ولد زنية أو فرخ زنا فالحد في ذلك كله ، وإن كانت أمه مملوكة أو مشركة وأبوه وحدهكذلك ؛ لأن القذف توجه إلى المسلم المقذوف ، وذلك بخلاف قوله يا ابن الزانية وأمه مملوكة أو ذمية يريد فإنه لا حد عليه ،ووجه ذلك أن القذف اختص بالأم ، وقد تكون زانية ويثبت ابنها من أبيه والله أعلم وأحكم .



كِتَابٌ : الْحُدُودُ  الْحَدُّ فِي الْقَذْفِ وَالنَّفْيُ وَالتَّعْرِيضُ

2396  (المجلد : 2 الصفحة : 391)

حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ رُزَيْقِ بْنِ حُكَيْمٍ الْأَيْلِيِّ ، أَنَّ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ : مِصْبَاحٌ اسْتَعَانَ ابْنًا لَهُ، فَكَأَنَّهُ اسْتَبْطَأَهُ، فَلَمَّا جَاءَهُ، قَالَ لَهُ : يَازَانٍ، قَالَ رُزَيْقٌ : فَاسْتَعْدَانِي عَلَيْهِ، فَلَمَّا أَرَدْتُ أَنْ أَجْلِدَهُ قَالَ ابْنُهُ : وَاللَّهِ، لَئِنْ جَلَدْتَهُ لَأَبُوءَنَّ عَلَى نَفْسِي بِالزِّنَىفَلَمَّا قَالَ ذَلِكَأَشْكَلَ عَلَيَّ أَمْرُهُ، فَكَتَبْتُ فِيهِ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَهُوَ الْوَالِي يَوْمَئِذٍ ؛ أَذْكُرُ لَهُ ذَلِكَ، فَكَتَبَ إِلَيَّ عُمَرُ أَنْ أَجِزْ عَفْوَهُ، قَالَرُزَيْقٌ : وَكَتَبْتُ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَيْضًا : أَرَأَيْتَ رَجُلًا افْتُرِيَ عَلَيْهِ، أَوْ عَلَى أَبَوَيْهِ، وَقَدْ هَلَكَا أَوْ أَحَدُهُمَا ؟ قَالَ : فَكَتَبَ إِلَيَّعُمَرُ : إِنْ عَفَا ؛ فَأَجِزْ عَفْوَهُ فِي نَفْسِهِوَإِنِ افْتُرِيَ عَلَى أَبَوَيْهِ، وَقَدْ هَلَكَا أَوْ أَحَدُهُمَا ؛ فَخُذْ لَهُ بِكِتَابِ اللَّهِ، إِلَّا أَنْ يُرِيدَ سِتْرًا.



2397  (المجلد : 2 الصفحة : 391)

قَالَ يَحْيَى : سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ : وَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ الْمُفْتَرَى عَلَيْهِ، يَخَافُ إِنْ كُشِفَ ذَلِكَ مِنْهُ أَنْ تَقُومَ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌفَإِذَا كَانَعَلَى مَا وَصَفْتُ فَعَفَا، جَازَ عَفْوُهُ.



المنتقى شرح موطأ مالك

قول مصباح لابنه على وجه السب يا زان قذف له ، وكذلك من قال لغيره يا زان فإنه قاذف له يجب عليه من الحد ما يجبعلى القاذف فإن قال أردت أنه زان في الجبل بمعنى أنه صاعد إليه ، يقال زنأت في الجبل إذا صعدت إليه قال أصبغ عليهالحد ولا يقبل قوله إلا أن يكونا كانا في تلك الحال ، وبين أنه الذي أراده ولم يقله مشاتمة قال ابن حبيب يريد أصبغويحلف .

( فصل ) وقوله فاستعداني عليه فلما أردت أن أجلده يقتضي أنه كان يرى أن الأب يجلد لقذف ابنه بما يخصه من القذف ،وبه قال مالك وأصحابه إلا ما رواه ابن حبيب عن أصبغ أنه لا يحد الأب له أصلا ، وبه قال أبو حنيفة والشافعي ، وجه قولمالك أن من يقتل به إذا أقر بأنه أراد قتله فإنه يحد لقذفه إذا كان محصنا أصل ذلك الأجنبي ، ووجه قول أصبغ يحتمل أنيكون مبنيا على قول أشهب لا يقتل الأب بابنه .

( فرع ) فإذا قلنا يحد الأب لابنه فإن ذلك يسقط عدالة الابن رواه ابن المواز قال ؛ لأن الله تبارك وتعالى قال في كتابه ولا تقللهما أف ولا تنهرهما وهذا يضر به .

( مسألة ) وإذا قال الأب لابنه في منازعة أشهدكم أنه ليس بولدي وطلبت الأم أو ولدها من غيره الحد ، وقد كان فارقها فعفاولده فقال مالك يحلف ما أراد قذفا وما قاله إلا بمعنى أنه لو كان ولدي لم يصنع ما صنع ، ثم لا شيء عليه وهذا يقتضيأن الحد عليه ثابت إن لم يحلف ، وأنه لا يسقط بعفو بعض الولد إذا قام به بعضهم والله أعلم وأحكم .

( مسألة ) فأما الجد والعم والخال ففي العتبية من سماع ابن القاسم عن مالك يحدون له في الفرية إن طلب ذلك ، ووجه ذلكأن الأب أعظم حقا منهم ، وهو يحد للابن فبأن يحد هؤلاء أولى على قول أصبغ أن هؤلاء كلهم يقتل به فكذلك يحدون له ،وأما أن يشتموه ففي العتبية لا شيء عليهم إذا كان على وجه الأدب ، وكأنه لم ير الأخ مثلهم إذا شتمه ، ووجه ذلك أن لهمعليه رتبة بالإدلاء بالأبوين فكان لهم تأديبه بالقول وتعليمه .

( فصل ) وقول الابن لئن جلدته لأبوأن على نفسي يريد العفو عن أبيه وإسقاط حد القذف عنه ، وأنه إن لم يقبل ذلك منهمتولي الحكم أقر بالزنا فأسقط عن أبيه بذلك حد القذف ، وهذا يقتضي أن زريق بن حكيم كان يرى أن عفو المقذوف عنالقاذف عند الإمام غير جائز ، وهي إحدى الروايتين عن مالك إلا أن مالكا قال في الولد له العفو عن أبيه ولم يرد سترا به ،كتب عمر بن عبد العزيز إلى زريق إذ سأله عن ذلك .

( فرع ) وأما عفوه عن جده فقال ابن القاسم وأشهب يجوز عفوه عن جده لأبيه وإن بلغ الإمام ، ولا يجوز ذلك في جده لأمه ،ووجه ذلك أن الجد للأب مدل بالأب ويوصف بالأبوة ، وأما الجد للأم فلا يوصف بذلك فلم يكن له حكم الأب ، وقد قال ابنالماجشون عفو الأب عن ابنه جائز ، وإن لم يرد سترا ، ومعنى ذلك والله أعلم أن الإشفاق قد يحمله عند رؤية إيقاع الحد بهعلى أن يقر على نفسه بما قذفه به فيقع فيما هو أشد من القذف .

( فصل ) وقد قال عمر بن عبد العزيز فيمن افتري عليه إن عفا فأجز عفوه في نفسه يريد أن العفو بعد بلوغ الإمام جائز ،وقد اختلف قول مالك في غير الأب ففي المدونة عن ابن القاسم كان مالك يجيز العفو بعد أن يبلغ الإمام كما روي عن عمربن عبد العزيز ، وقال في كتاب ابن المواز وإن لم يرد سترا قال ثم رجع مالك فلم يجزه عند الإمام إلا أن يريد سترا وجه القولالأول أنه حق من حقوق المقذوف يجوز له العفو عنه قبل بلوغ الإمام فكان له العفو عنه بعد بلوغ الإمام كالديونوالقصاص ووجه القول الثاني أن لله فيه حقا وما تعلق به حق لله تعالى لم يجز العفو عنه بعد بلوغ الإمام كالقطع فيالسرقة .

( مسألة ) وأما العفو قبل بلوغ الإمام فجائز عند مالك رواه عنه ابن القاسم وابن وهب وابن عبد الحكم وروى عنه أشهب أنذلك ليس بلازم وله القيام به متى شاء إلا أن يريد به سترا ، وقاله ابن شهاب ووجه القول الأول أنه حق لمخلوق لم يبلغالإمام فلزم العفو عنه ؛ لأنه لم يتعلق به حق لله تعالى وإنما يتعلق به بالقيام عند الإمام ووجه القول الثاني أنه حق للهيجوز القيام به ولا يلزم العفو فيه بعد بلوغ الإمام فلم يكن قبل بلوغه كحد الزنا .

( فصل ) وقوله وإن افترى على أبويه وقد هلكا أو أحدهما فخذ له بكتاب الله عز وجل يريد لا يجوز عفوه إذا وصل إلىالإمام ؛ لأن المقذوف غيره ، وقد قال ابن المواز عن مالك إنما يجوز العفو يريد على قول مالك إذا قذفه في نفسه فإذا قذفأبويه أو أحدهما وقد مات المقذوف لم يجز العفو عنه بعد بلوغ الإمام ومعنى ذلك أنه قد لزم الإمام القيام بالحد ، وإلا حدللمقذوف به ؛ لأن حد القذف مبني على أنه لا يجوز عفو بعض القائمين به بخلاف ولاة الدم ؛ لأن هذا ليس بدلا من المالوالدم بدل من المال فينتقل بعض من قام بالدم إليه إذا عفا بعضهم .

( فصل ) وقوله إلا أن يريد سترا قال مالك قد ضرب الحد فخاف أن يظهر عليه ذلك الآن فأما إن عمل شيئا لم يفعله أحد غيرهفلا يجوز عفوه عند الإمام في قذف ولا غيره إلا في الدم ، وروى ابن حبيب عن أصبغ معنى قوله في عفو المقذوف فينفسه أو أبويه عند الإمام إن قال أردت سترا لم يقبل منه ، ويكشف عن ذلك الإمام فإن خاف أن يثبت ذلك عليه أجاز عفوه ،وإلا لم يجزه ورواه ابن القاسم عن مالك وقال ابن الماجشون عن مالك معنى قوله إلا أن يريد سترا إن كان مثله يفعل ذلكجاز عفوه ولا يكلف إلا أن يقول أردت سترا ، وأما العفيف الفاضل فلا يجوز عفوه .

( مسألة ) وأما القاذف يعطي المقذوف دينارا على أن يعفو عنه ففي العتبية من رواية أشهب عن مالك لا يجوز ذلك ويجلدالحد ، ووجه ذلك أنه حق يتعلق به حق لله تعالى فلا يسقط بمال كالقطع في السرقة .

( مسألة ) وللمقذوف أن يكتب به كتابا أنه متى شاء قام به قاله مالك في الموازية قال مالك وإني لأكرهه ومعنى ذلك عنديقبل أن يبلغ الإمام ، وأما إذا بلغ الإمام فإن الإمام يقيم الحد ولا يؤخره ، وقد رأيت لمالك نحو هذا ، وقال هذا يشبه العفو .

( مسألة ) ومن أقام بينة على قاذفه عند الإمام ، ثم أكذبهم وأكذب نفسه ففي الموازية لا يقبل قوله ويحد القاذف لأنه إسقاطللحد كالعفو ، وإذا صدق القاذف فأقر على نفسه بالزنا فقد روى ابن حبيب عن أصبغ إن ثبت على إقراره حد ، ولم يحدالقاذف وقال ابن الماجشون إن رجع عن إقراره فقد درأ عنه الحد ودرئ عن القاذف الحد بإقراره ، قال ابن حبيب وهذا أحبإلي ما لم يثبت أنه أراد بإقراره إسقاط الحد عن القاذف فيبطل إقراره .



كِتَابٌ : الْحُدُودُ  الْحَدُّ فِي الْقَذْفِ وَالنَّفْيُ وَالتَّعْرِيضُ

2395  (المجلد : 2 الصفحة : 390)

حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، أَنَّهُ قَالَ : جَلَدَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَبْدًا فِي فِرْيَةٍ ثَمَانِينَ، قَالَ أَبُو الزِّنَادِ : فَسَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَعَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ ذَلِكَ ؟ فَقَالَ : أَدْرَكْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ، وعُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ، وَالْخُلَفَاءَ هَلُمَّ جَرًّا ، فَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا جَلَدَ عَبْدًا فِيفِرْيَةٍ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ.

حكم الحديث: إسناده صحيح.



المنتقى شرح موطأ مالك

قوله أن عمر بن عبد العزيز جلد عبدا في فرية ثمانين الفرية هي الرمي وحد الحد فيه ثمانون جلدة قال الله تعالى والذينيرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة فرأى عمر بن عبد العزيز أن حد العبد في ذلك كحدالحر ، وروي عن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان والخلفاء إلى زمنه كانوا يجلدون العبدفي القذف أربعين نصف الحر قاله مالك في العبد ومن فيه بقية رق من مدبر أو أم ولد أو غيرهما ، والدليل على ذلك أنه حديتبعض فكان حد العبد فيه نصف حد الحر كحد الزنا .



أَوَّلُ كِتَابِ الْحُدُودِ  بَابٌ : فِي حَدِّ الْقَذْفِ

4474  (المجلد : 4 الصفحة : 400)

حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ الثَّقَفِيُّ ، وَمَالِكُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْمِسْمَعِيُّ - وَهَذَا حَدِيثُهُ - أَنَّ ابْنَ أَبِي عَدِيٍّ حَدَّثَهُمْ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِإِسْحَاقَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : لَمَّا نَزَلَ عُذْرِي قَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَعَلَى الْمِنْبَرِ فَذَكَرَ ذَاكَ وَتَلَا - تَعْنِي الْقُرْآنَ - فَلَمَّا نَزَلَ مِنَ الْمِنْبَرِ أَمَرَ بِالرَّجُلَيْنِ وَالْمَرْأَةِ فَضُرِبُوا حَدَّهُمْ.

حكم الحديث: حسن


4475  (المجلد : 4 الصفحة : 401)

حَدَّثَنَا النُّفَيْلِيُّ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بِهَذَا الْحَدِيثِ، لَمْ يَذْكُرْ عَائِشَةَ، قَالَ : فَأَمَرَ بِرَجُلَيْنِ وَامْرَأَةٍ مِمَّنْتَكَلَّمَ بِالْفَاحِشَةِ ؛ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ، وَمِسْطَحِ بْنِ أُثَاثَةَقَالَ النُّفَيْلِيُّ : وَيَقُولُونَ : الْمَرْأَةُ : حَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ.

حكم الحديث: حسن بما قبله


عون المعبود شرح سنن أبي داود

(لما نزل عذري) أي: الآيات الدالة على براءتها، شبهتها بالعذر الذي يبرئ المعذور من الجرمذكره القاضي وغيره.

(فذكر ذلك) أي: عذري.

(تلا) أي: قرأ.

(تعني) أي: تريد عائشة رضي الله عنها.

(القرآن) بالنصب مفعول تلا، وهذا تفسير من بعض الرواة لمفعول تلا المحذوف، والمراد من القرآن قوله تعالى: {إن الذينجاءوا بالإفكإلى آخر الآيات.

(أمر بالرجلين) أي: بحدهما أو بإحضارهما وهما حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة.

(والمرأة) بالجر أي: وبالمرأة وهي حمنة بنت جحش.

(فضربوا) بصيغة المجهول.

(حدهم) أي: حد المفترين وهو مفعول مطلق أي: فحدوا حدهم.

(ولم يذكر) أي: النفيلي.

(ممن تكلم بالفاحشة) أي: القذف.

(حسان بن ثابت) بفتح الحاء والسين المشددة الصحابي الأنصاري شاعر رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال صلىالله عليه وسلم في شأنه: {إن روح القدس مع حسان ما دام ينافح عن رسول اللهصلى الله عليه وسلم.

(ومسطح بن أثاثة) بكسر الميم وسكون السين المهملة وبضم الهمزة في أثاثة.

(يقولون) أي: المحدثون.

(المرأة) أي: المذكورة في الحديث هي: (حمنة بنت جحش) أي: أخت زينب رضي الله عنها.

قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه، وقال الترمذي: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث محمد بن إسحاقهذا آخر كلامه.

وقد أسنده ابن إسحاق مرة وأرسله أخرىوقد تقدم الكلام على الاحتجاج بحديث محمد بن إسحاق.





اتهام الزوج لزوجته بالزنا 

واتهام الزوجة لزوجها بالزنا


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنتالعليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقا، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا،وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.


نجد الكثيرون في هذه الحياة يستعملون ذكاءهم في اتهام الآخرين دون دليل مؤكد، بل لمجرد الاشتباه والظن وبعضالقرائن التي يجمعها ذكاؤهم ثم يصدر حكم الاتهام، وكثيرا ما يكون حكما جازما، فذكاؤهم - في اعتقادهم - لا يضل ولايزل ولا يخونسبحان الله العظيم!

الله وحده هو علام الغيوب.. ولكن هؤلاء يعتقدون أن ذكاءهم المفرط وظنهم الذي يثقون به قادران على القفز بسرعة عجيبةمن المقدمات إلى النتائج، ومن الشبهات إلى الأحكام الجازمة الحاسمة!

وهؤلاء يستخدمون ذكاءهم في اتهام الآخرين إما اتهاما مادياً أو معنوياً!

ويسرعون في تحويل الاتهام إلى يقين أو ما يشبه اليقين، وعلى الطرف الآخر أن يثبت البراءة ما استطاع إلى ذلك سبيلا.

عليه أن يثبت البراءة إذا كانوا قد وجهوا له الاتهام مباشرة، وصارحوه به مصارحة، بل هجموا عليه به وفاجأوه، وهميفعلون هذا - عادة - في الاتهامات الملموسة المادية أو شبه المادية كأن يسرق منهم شيء، أو يضيع وهم لا يشعرون،فيسرعون إلى اتهام الخادمة مثلا، ظانين بأن ذكاءهم لا يخيب ولا يخون!

وقد يتهم الرجل زوجته بالخيانة - والعياذ بالله - بناء على قرائن أوجدها هو، وإن كانت موجودة فهي لا تدل على الخيانةبالضرورة، ولكن ذكاءه المزعوم يدل على ذلك ويصر عليه!

وقد تتهم المرأة زوجها بالخيانة - لا سمح الله - بناء على شبهات صنعها خيالها والتماسها للأدلة، أو شبهات موجودةفعلا ولكنها لا تعني الخيانة أو الوصول إليها، ولكن تلك الزوجة وبناء على ذكائها الذي تعول عليه كثيرا تقفز إلى أسوأالأمور وتكاد تجزم بذلك!

وقد تقول أنها تستخدم ذكاءها الصادق وحسها الذي لا يخيب، وكأن حسها هذا يعلم الغيب!

ونحن لا نتحدث هنا عن المصابين بالغيرة المرضية والشخصية البانورية فهؤلاء أقرب إلى العذر لأنهم مرضى ويحتاجونللعلاج الطبي.

نتحدث عن أناس أسوياء ولكنهم متسرعون مغرورون بذكائهم المحدود، فهم في العادة ليسوا من الأذكياء جدا، ولكنهم منالمتوسطين، والمشكلة دائما من أنصاف العلماء وأنصاف الأذكياء، أنصاف العلماء هم الذين يطلقون الأحكام الجازمة فيأمور لم تثبت تماما، أما العلماء حقا فهم متواضعون ويعرفون حدود ما يعرفون، فإذا تحدثوا عن أمر لم يثبت لهم بالدليلالقاطع قالوا: لعله كذا.. وربما يكون كذا.. وتركوا الباب مفتوحاً للنقاش والبحث والحوار والاكتشاف للوصول للحقيقةبعد تثبت وبحث وتمحيص..

أنصاف العلماء.. وأنصاف الأذكياء.. يبدو أن وقتهم أثمن من ذلك، فهم يجزمون بسرعة، ويلصقون التهم، وهم بما لديهممن ذكاء فخورون.. وبظنهم الذي لا يخيب فرحون !

وهؤلاء الذين يستخدمون ذكاءهم في الحكم على الآخرين، مطمئنون إلى مصداقية ذلك الذكاء، متعبون جدا مـن الناحيةالاجتماعية..

يٌتعبون زملاءهم في العمل..

وزوجاتهم وأولادهم وأقاربهم وخدمهم... ويتعبون أصدقاءهم في درب الحياة.. ويتعبون جلساءهم ومعارفهم..

لماذا؟

لأنهم كثيراً ما يظلمون هؤلاء بإلصاق تهمة مابهم، اليوم أو غداً، ويبنون عليها ويتخذون المواقف ويشرعون فيالتصرفات!

قد يتهم الواحد منهم زميلاً له في العمل أنه يشي به إلى المدير، ويكذب عليه، ويشوّه سمعته، ومع أنه ظالم له بهذهالتهمة، ولكن إما أنه لا يحبه ولا يرتاح إليه فيعتقد أنه مثله، وأن خلق الزميل أسوأ منه قد دفعه كرهه إلى تشويه سمعته.. وإما أنه يظن فيه ظن السوء..

أو أنه جمع قرائن واهية، وقد تكون مصادفات مضحكة، وبنى عليها حكماً كالجبل!

فلو دخل هذا على مديره بعد خروج ذلك الزميل منه، مثلاً، ثم وجد المدير يقطب في وجهه، ولا يعبّره، فإنه يستنتج من ذلكأن زميله قام بتشويه سمعته، ونقل كل صغيرة وكبيرة إلى مديره، وزاد عليها وكذب.. الخ.. ثم يجمع هذه الصدفة معصدف أخرى وقرائن مختلفة - وكل من بحث عن شيء وجده أو وجد ما يقاربه - فيصدر حكمه الظالم على ذلك الزميل.

هذا مجرد مثال قس عليه أشياء كثيرة يمارسها الذين يعولون على ذكائهم المجرد في اتهام الآخرين..

وذكاؤهم هذا سريع الاستنتاج حاسم الأحكام، فهم لا يعرفون بعده وجوب التثبت والتروي، ويخيل إليهم أنهم لا يحتاجونللتثبت والتروي لأن ذكاءهم - المحدود في الواقع - قد أسكرهم وذهب بعقولهم وطمس أبصارهم عن رؤية غير ما يشتهون..

ذكاء مثل هذا يشبه السيارة بلا فرامل تدوس من حولها، وتصدم على غير هدى!

وتلك الصفة، وهي الحكم بناء على الذكاء المجرد، دون تثبُّت، نوع من الحماقة، والتعامل مع الأحمق يخلق المشاكل!

إن العاقل - وهو عكس الأحمق بالطبع - يدرك ضرورة التأني والتثبت وعدم صحة بناء الأحكام على الشبهات والظواهرواستنتاج الذكاء المحدود بطبعه والذي يميل مع الهوى.

ويعلم أن الوصول إلى الحقيقة في غاية الصعوبة، وقطعاً لا يكفي للوصول إليها ظنون وشبهات وما استخدام الذكاء فيمثل تلك الأمور الا نوع من الظن، وإن بعض الظن إثم، لمجرد أنه ظن فهو اثم، أما إذا ترتب عليه مهاجمة للآخرين ومصارحةلهم بالاتهام فهو الظلم بعينه، والظلم من أسوأ الأمور، وطالما كان الأمر في حدود الشكوك فالمذنب بريء حتى (تثبت)إدانته، ونضع خطين تحت كلمة (تثبت).

التثبت لا يكون باستخدام الذكاء مهما بلغ، لابد من الأدلة الخارجية الملموسة والتي لا تقبل التأويل أو التعليل، حتىالقاضي في الفقه الإسلامي لا يصح له أن يقضي بعلمه بل بالأدلة الموضوعية التي تقدم له..

لقد أمرنا الله عز وجل بالتثبت والتبين قبل أن نتهم أحداً..

قال عز وجل:

{ياأيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين}.

سورة الحجرات : 6

ونهانا الله عز وجل عن اتباع الظن:

{وما يتبع أكثرهم إلا ظناً إن الظن لا يغني من الحق شيئاً}. سورة يونس الآية: 36

واستخدام الذكاء المجرد في اتهام الآخرين دون دليل مؤكد هو نوع من الظن الذي لا يغني عن الحق شيئاً، وصاحب ذلكالذكاء يظن أن استنتاجه (هو الحق) مع انه ليس كذلك..

ويقول سبحانه وتعالى:

{إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون}.

والخرص فيما أعرف هو التخمين بناء على الذكاء والحس وهو يشبه الذي يخبط خبط عشواء!

ويقول تبارك وتعالى:

{ياأيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثمسورة الحجرات الآية 12.

وفرعون استخدم ذكاءه في الحكم على موسى عليه السلام، وعمل بناء على ذكائه الغبي الذي هو في حدود الظن فأهلكه:

فقال له فرعون إني لأظنك ياموسى مسحوراسورة الإسراء الآية 101

وقال عز وجل:

{وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنونالجاثية الآية 24.

فالذي يستخدم ذكاءه في اتهام الآخرين يعتبر أن ذكاءه هذا (علم) مع أنه مجرد ظن في الواقع..

ويقول الله عز وجل:

{والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناًالأحزاب الآية 58

واتهام الناس بناء على الظنون التي أوحى بها ذكاء كثيرا ما يخون فيه أذى شديد لهؤلاء المتهمين وبهتان لهم بغير وجهحق.

والآيات والأحاديث في هذا المعنى العظيم كثيرة، وهي توجّه الإنسان إلى ما فيه الخير، خير الفرد والجماعة، والدنياوالآخرة، فإن الاعتماد على الظنون التي ولدها الذكاء المجرد والفج غالبا) يجعل صاحبه يقع في المزالق والمطاب المردية،ويؤذي نفسه ويؤذي غيره، ويجرح ضميره ويجرح كرامة الآخرين، فما في الشكوك والظنون السود خير.. ولا في العجلةوالتسرع فائدة.. ولا في اتهام الناس بدون دليل قاطع إلا إطلاق الشر، والإعلان عن سوء النية وقبح الطوية، وكثيرا ما يدلذلك على سوء الفعل وسوء النفس فإن الشاعر يقول:

إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه … وصدَّق ما يعتادُهُ من توهُّمِ




 أحكام الملاعنة بين الزوجين             

أيها الإخوة المؤمنون، من سورة النور، الدرس في قوله تعالى:

﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (6)وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (7) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (8)وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (9) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (10) 

(سورة النور)


أحكام الملاعنة بين الزوجين:

 أيها الإخوة المؤمنون، هذه الآية هي آية اللعان، أو آية الملاعنة، وهذه الآية كما ورد في آخرها:

﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ 

 لو أن امرأً شاهد امرأته تزني، وليس له أربعة شهود يشهدون على هذه الواقعة، فما حل هذه المشكلة، إن تكلم في حقزوجته يحد بنص الآية السابقة:

﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُالْفَاسِقُونَ 

 ففي نص هذه الآية هذا الذي يرى واقعة الزنى في بيته، وليس له أربعة شهود يشهدون على هذه الواقعة، واتهم زوجتهبالزنى، فبنص الآية السابقة لابد أن يُجلد ثمانين جلدة، لذلك جاءت آيات الملاعنة فيما بين الزوجين رحمةً من الله عز وجل،وفضلا، يقول الله سبحانه وتعالى:

﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾

أدب القرآن في اختيار الكلمات: 

الكلام فيه أدب رفيع:

﴿يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾

ولم يقل: بالزنى، ومفهوم من سياق الآيات أن الحديث عن الزنى، لذلك الكلام الذي يفهم إن لم تذكره، الأَولى ألاّ تذكره، هذامن البلاغة، ومن الأدب في وقت واحد، من البلاغة أن الألفاظ التي تخدش الحياء يجب ألاّ تذكر، ومن البلاغة أن الشيءالذي يفهم من دون أن يذكر يجب ألاّ يذكر، فربنا سبحانه وتعالى يقول:

﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ 

 بالمناسبة لك أن تقول: زوجي وزوجتي، وكلاهما صحيح، ولك أن تقول: امرأة عروس ورجل عروس، كلاهما صحيح،وتطلق في اللغة على الذكر والأنثى في وقت واحد، فربنا سبحانه وتعالى يقول:

 ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾بمعنى زوجاتهم.

﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يِكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءَ إِلاَّ أَنْفُسُهُمْ﴾

 دخل بيته فجأة، فإذا رجل مع زوجته في وضع مشين، ماذا يفعل ؟ هل يقول لهما: انتظرا حتى آتي بالشهود، هذامستحيل، لذلك لمثل هذه الحالة الصعبة، ولمثل هذه الواقعة العظيمة شرع ربنا سبحانه آيات الملاعنة، ففيها أشياء دقيقةجدا.

 

معنى الشهادة:

هنا كلمة الشهادة في آيات الملاعنة،

المعنى الأول: الشهادة تعني الخبر الصادق، أنت شاهدت شيئا، ونقلت هذه المشاهدة إلى قاض، أو إلى جهة، فهذهالشهادة تعني الخبر الصادق، لكن علماء التفسير استنبطوا من قوله تعالى:

﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (1) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْجُنَّةً 

(سورة المنافقون: الآيات 1-2)

 فربنا سبحانه وتعالى سمى شهادتهم يمينا، فالشهادة لها ثلاثة معانٍ: المعنى الأول الخبر القاطع المبني على مشاهدة.

 المعنى الثاني: اليمين.

المعنى الثالث: البينة والدليل، فتأتي الشهادة في القرآن الكريم، وفي هذه الآية بالذات معنى الخبر القاطع، وبمعنىاليمين، وبمعنى البينة، أي الدليل، لهذا يقول الله سبحانه وتعالى:

﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلاَّ أَنْفُسُهُمْ﴾

 

الاستثناء وأنواعُه:

 فهذه ( إِلاَّ ) أداة استثناء، تقول مثلا: حضر الطلاب إلا خالدا، فخالد طالب، فإذا كان المستثنى بـ ( إلاّ ) من جنس المستثنىمنه فالاستثناء متصل، القضية سهلة جدا، وإذا كان المستثنى بـ ( إلاّ ) ليس من جنس منه المستثنى فالاستثناء منقطع،تقول: حضر الطلاب إلا المدرّس، فالمدرّس ليس طالبا، لهذا قال الله عز وجل:

﴿فَسَجَدَ الْمَلاَئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلاَّ إِبْلِيسَ﴾

[الحجر: 29-30]

 فليس معنى هذا أن إبليس من الملائكة، هذا استثناء منقطع، فالذين قالوا: إن هذا الاستثناء استثناء متصل جعلوا الزوجأحد الشهود، أو شاهدا يغني عن أربعة شهود، فيجب حينئذٍ أن تنطبق عليه أحكام الشهادة، ويجب أن يكون شاهداتصح شهادته في نظر الفقهاء.

﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلاَّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾


صيغة شهادة اللعان بين الزوجين:

 أيْ يشهد، ويقول: أشهد بالله أنني صادق فيما أرمي به زوجتي، ويسكت، ثم يقول: أشهد بالله أني صادق فيما أرمي بهزوجتي، ويسكت، ثم يقول: أشهد بالله إني صادق فيما أرمي به زوجتي و، يسكت، ثم يقول: أشهد بالله أني صادق فيماأرمي به زوجتي، فهذه الشهادات الأربع خبر قاطع مع يمين، فكأن هذه الشهادة تحملت معنى اليمين والخبر القاطع، لذلكفربنا سبحانه وتعالى من رحمته بهذا الزوج الذي رأى حادثة لا يحتملها أنْ قال له: أنت تشهد، وشهادتك تنوب عن أربعةشهود، ولا بد أن يشهد شهادة خامسة، ما هي هذه الشهادة الخامسة ؟

 قال الله عز وجل:

﴿وَالْخَامِسَةُ﴾

 أيْ والشهادة الخامسة:

﴿أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾

 ويقول: أشهد بالله أن لعنة الله علي إن كنت من الكاذبين، وبهذه الشهادات الخمس يثبت الزنى على زوجته، وتمنع عنهحد القذف.

﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾

 بهذه الشهادات الأربع، والشهادة الخامسة يستطيع الزوج أن ينجو من حد القذف، لأن الآية السابقة تحتم على القاذفحد القذف إن لم يأت بأربعة شهداء، هو الآن شاهد واحد، لكنه زوج، قال العلماء: إنه لا يعقل أن يشهد الزوج أمام القاضيعلى زوجته بالزنى، وهي بريئة، لأنه إذا شهد بذلك جلب العار لبيته، وجلب الدنس لفراشه، وألحق بنسبه ما ليس منه،لذلك ليس من مصلحة الزوج أصلا أن يتهم زوجته بالزنى أمام ملأٍ من المسلمين، ولو لم يكن رآها فعلا لما أقدم علىفضحها، لذلك فشهادة الزوج ليست كشهادة أحد من الناس، شهادته أربع شهادات بالله، بشرط أن يقول: أشهد بالله أنيلمن الصادقين، مرة، وثانية، وثالثة، ورابعة، والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين.

 

موقف الزوجة بعد ملاعنة الزوج لها:

 ما موقف الزوجة ؟ حينما يشهد الزوج هذه الشهادات الأربع، ويشهد الشهادة الخامسة فقد أوجب عليها حد الرجم، لأنهامحصنة، ودرأ عن نفسه حد القذف، لأن شهادته كما قال الله عز وجل:

﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾

 لكن الله سبحانه وتعالى رحمة بالمرأة أعطاها شيئا تنجو به إن كان زوجُها كاذبا، وليكن احتمال كذبه واحد بالمئة.

﴿ وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (8) 

 أما إذا قالت: أشهد بالله إنه لمن الكاذبين، مرة، وأشهد بالله إنه لمن الكاذبين، وثانية، وأشهد بالله إنه لمن الكاذبين، وثالثة،وأشهد بالله إنه لمن الكاذبين، ورابعة فعليها أن تنطق بالشهادة الخامسة، لكن الشهادة الخامسة تجعلها من أهل النار،وشهادة الرجل الخامسة تجعله من أهل النار.

﴿ وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (8) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ(9)﴾

 لذلك قال العلماء: على القاضي إذا وصلت المرأة إلى الشهادة الخامسة أن يقول لها: يا امرأة عذاب الدنيا أهون من عذابالآخرة، وفضح الدنيا أهون من فضح الآخرة، فالقاضي مكلف أن يذكَّر الزوج قبل أن يشهد الشهادة الخامسة ؛ أن أيهاالرجل عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، عذاب الدنيا حده القذف، فإذا نطق بالشهادة الخامسة، وكانت بريئة استوجبالنار، إنها قضية في منتهى الدقة والخطورة.

﴿ وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (8) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ(9)﴾

لطائف ودقائق واستنباطات من آيات اللعان:

 الآن في هذه الآيات ؛ آيات اللعان لطائف ودقائق واستنباطات:

اللطيفة الأولى: الفرق بين اللعنة في حق الزوج والغضب في حق المرأة:

 فمن هذه الدقائق أو اللطائف أن الله سبحانه وتعالى قال:

﴿وَالْخَامِسَةُ﴾

 المتعلقة بالزوج:

﴿أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾

﴿وَالْخَامِسَةَ﴾

 المتعلقة بالمرأة:

﴿أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾

 فهل هناك فرق بين لعنة الله، وبين غضبه ؟ العلماء وقفوا موقفين، فبعضهم قال: لعنة الله أشد من غضبه، لأنه رماهابالزنى، وقد تكون بريئة، وبعضهم قال: غضب الله أشد من لعنته، لأنها هي الأصل في الزنى، فلو لم تزنِ لما جرّت زوجهاإلى هذه المشكلة، على كلٍ اللعن هو الإبعاد، فإذا قال الإنسان لإنسان: لعنة الله عليك، أي أن الله سبحانه وتعالى أبعده عنذاته المقدسة، وأبعده عن ذاته العظيمة، لذلك في الآخرة أشد عقاب يعاقب به أهل النار:

﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾

(سورة المطففين: الآية 15)

 ابتعدوا، والذي يملك حاسة مرهفة يجد أن في الإبعاد أشد أنواع العذاب، وأشد أنواع العقاب، على كلٍ ربما بررنا، أوسوّغنا - إن صح التعبير - للمرأة أن تشهد أربع شهادات بالله، إنه لمن الكاذبين، إنقاذا لسمعتها من العار والشر، وربماكانت لعنة الله أشد وقعا من غضب الله، على كلٍ فإنّ غضبه، ولعنته شيئان مخيفان، نعوذ بالله منهما، والمعنى الدقيقللّعن: الطرد من رحمة الله، والمعنى الدقيق للغضب هو: السخط، والعلماء بين أن يكون اللعن أشد من الغضب، وبين أنيكون الغضب أشد من اللعن، على خلاف فيما بينهم.

 

اللطيفة الثانية: اللعان يكون بين مسلمين حرين:

 الذين عدوا هذه الشهادات أخضعوها لأحكام الشهود، أي ينبغي أن تنطبق على الزوج الملاعن أحكام أهل الشهود،فالإنسان أحيانا يفقد حقه في الإدلاء بالشهادة، فمثل هذا الزوج الذي فَقَدَ حقه أن يشهد فشهادته مرفوضة، ولعنهمرفوض، والمرأة كذلك ما دام هذه بإمكانها أن تشهد أربع شهادات بالله، إنه لمن الكاذبين، إذاً هي شاهدة تنطبق عليهاأحكام الشهود، والشاهد يجب أن يكون مسلما، عدلا، ثقة، لذلك استنبط العلماء أن اللعان لا يجري إلا بين زوجين مسلمين،حُرَّيْنِ لا رقيقين، فلا يجري بين حر ورقيق، ولا بين رقيق وحر، كما لا يجري بين زوجين غير مسلمين، ولا بين زوجين كافرين،لأننا طبقنا عليهما أحكام الشهود العدول.

 الحقيقة أنّ هناك علاقة دقيقة بين آيات القذف، وآيات اللعان

﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرَبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾

 فرق كبير بين أن يتهم الإنسان امرأة أجنبية بالزنى، فهذا يجب أن يأتي بأربعة شهداء، وإلا يجلد، ويقام عليه حد القذف،وربما لا يتأثر بيته، ولا تتأثر مكانته، ولا سمعته من قذف هذه المرأة الأجنبية المحصنة، لذلك حد القذف يقام عليه إن لم يأتبالشهداء الأربعة، فلو جاء بشهود ثلاثة - لك أن تقول في جمع شاهد: شهداء وشهود، فإن لم يأتوا بالشهداء، الشهداءجمع شاهد، والشهيد أيضا جمعه شهداء، فالشهداء جمع لشاهد ولشهيد، وهنا الحديث عن الشهداء جمع شاهدبالضبط، لكن الإنسان عندما يرمي زوجته بالزنى، فهذا ليس من مصلحته إذا كان كاذبا بهذا الرمي، لأن هذا الرميسيسبب له العار، سيسبب له الشك في ولده ؛ أهو منه، أم من غيره ؟ سيسبب له سمعة سيئة، سيسبب له انهياراًاجتماعياً، لذلك قال العلماء: إنه لا يقدم على رمي الزوجة بالزنا إلا أن تكون هذه الواقعة صحيحة، لهذا رحمه الله عز وجل،وخفف عنه، وقال: أنت أيها الزوج لك حكم مستقل، شهادتك تعادل أربع شهادات يدلي بها شهود عدول، هذه هي العلاقةبين آيات القذف، وبين آيات اللعان؛ وكأن الله سبحانه وتعالى في آخر هذه الآية:

﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾

 أيْ لولا أن الله رحمكم بآيات اللعان لكان في الأمر حرج شديد، فتصور حالة زوج رأى رأي العين زوجته تزني، والشرع لايسمح له بسماع هذه الدعوى إلا بأربعة شهود، والشهود كيف يأتون، إن ذهب ليحضرهم قد يُتلافى الأمر، فلا يجد حلاًّ،لذلك النبي الكريم حينما عرضت عليه قضية قبل نزول هذه الآية استرجع الله سبحانه وتعالى وقال: لعلَّ الله يحدث فيهذا الأمر أمرا، لعله يحدث أمرا.

 

سبب نزول آية الملاعنة:

 عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ:

((إِنَّ أَوَّلَ لِعَانٍ كَانَ فِي الْإِسْلَامِ أَنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ شَرِيكَ بْنَ السَّحْمَاءِ بِامْرَأَتِهِ، فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُبِذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَرْبَعَةَ شُهَدَاءَ وَإِلَّا فَحَدٌّ فِي ظَهْرِكَ، يُرَدِّدُ ذَلِكَ عَلَيْهِ مِرَارًا، فَقَالَ لَهُ هِلَالٌ: وَاللَّهِ يَارَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَيَعْلَمُ أَنِّي صَادِقٌ، وَلَيُنْزِلَنَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْكَ مَا يُبَرِّئُ ظَهْرِي مِنْ الْجَلْدِ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ نَزَلَتْعَلَيْهِ آيَةُ اللِّعَانِ،

﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ ﴾إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، 

فَدَعَا هِلَالًا، فَشَهِدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنْ الصَّادِقِينَ، وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنْ الْكَاذِبِينَ، ثُمَّ دُعِيَتْ الْمَرْأَةُفَشَهِدَتْ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ، إِنَّهُ لَمِنْ الْكَاذِبِينَ، فَلَمَّا أَنْ كَانَ فِي الرَّابِعَةِ أَوْ الْخَامِسَةِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:وَقِّفُوهَا، فَإِنَّهَا مُوجِبَةٌ، فَتَلَكَّأَتْ حَتَّى مَا شَكَكْنَا أَنَّهَا سَتَعْتَرِفُ، ثُمَّ قَالَتْ: لَا أَفْضَحُ قَوْمِي سَائِرَ الْيَوْمِ، فَمَضَتْ عَلَى الْيَمِينِ،فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: انْظُرُوهَا فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَبْيَضَ سَبِطًا قَضِيءَ الْعَيْنَيْنِ فَهُوَ لِهِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ، وَإِنْ جَاءَتْبِهِ آدَمَ جَعْدًا رَبْعًا حَمْشَ السَّاقَيْنِ فَهُوَ لِشَرِيكِ بْنِ السَّحْمَاءِ، فَجَاءَتْ بِهِ آدَمَ جَعْدًا رَبْعًا حَمْشَ السَّاقَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّىاللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَوْلَا مَا سَبَقَ فِيهَا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ))   

 قَالَ الشَّيْخُ: " وَالْقَضِيءُ طَوِيلُ شَعْرِ الْعَيْنَيْنِ لَيْسَ بِمَفْتُوحِ الْعَيْنِ، وَلَا جَاحِظِهِمَا، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ "

 [البخاري عن ابن عباس، مسلم، الترمذي عن أنس، والنسائي عن ابن عباس]

 

شروط حد القاذف:

 شيء آخر، المرأة التي يحق لها أن تشهد أربع شهادات بالله يجب أن تكون من النوع التي إذا قذفت بالزنى أقيم علىقاذفها الحد، فكما تعلمون من الدرس الماضي من اتهم امرأة زانية بالزنا لا يقام عليه الحد، إذاً امرأة فاجرة تزني علىقارعة الطريق تزني من دون تخف، تفصح عن زناها، تقول: كنت مع فلان وفلان، فهذه امرأة فاجرة، هذه امرأة لا يحدقاذفها.

متعّلق الصدق والكذب في الملاعنة:

 تكلمنا في الدرس الماضي أنه لا يحد قاذف المرأة إلا إذا كانت المرأة بريئة من الزنى، محصنة، والإحصان كما قلنا هوالإسلام، والزواج، والعفة، وما شاكل ذلك، لذلك هذه الآيات آيات الملاعنة لا تجري إلا إذا كانت الزوجة من النوع التي إذاقذفت أقيم على قاذفها الحد، عندئذ لها أن تشهد أربع شهادات بالله، إنه لمن الكاذبين، كذلك الزوج لا يحق له أن يشهد أربعشهادات، على أنه من الصادقين إلا إذا كان من النوع الذي يحق له أن يشهد، وكما تكلمنا في دروس سابقة الشهادة علىأنواع، هناك نوع يكتفى فيه بالشاهد، أن يكون مسلما، عدلا، وفي شهادات أخر يجب أن يكون الشاهد عدلا، وثقة، العدالةوالضبط في رواية الأحاديث لابد أن يكون الشاهد مسلما، عدلا، ثقة، لكن في الإدلاء ببعض الوقائع أمام القاضي يكفي أنيكون الشاهد مسلما، والإسلام هو انصياع لأوامر الله سبحانه وتعالى.

 العلماء الآن على خلاف في أن آيات اللعان لا تحتاج إلى متعلق الصدق والكذب، ففي هذه الحادثة يكون هذا الزوج قدرأى زوجته في حالة الزنى، فله أن يقول في المحكمة أمام القاضي: أشهد بالله إني لصادق فيما رميتها به، لا يحتاج الزوجإلى أن يذكر بالتفصيل ماذا جرى أمام القاضي، رأفة بحاله، ورعاية لحق هؤلاء المستمعين، وتوفيرا عليه من إبداءتفصيلات قد تحرجه في ذكرها أمام القاضي، لذلك أجاز العلماء أن يكون متعلق الصدق أو الكذب في هذه الآيات يمكن أنلا تذكر، فيكفي أن يقول: أشهد بالله إني لصادق فيما رميت به زوجتي، وينتهي الأمر.

مَن يبدأ أولاً بالملاعنة الزوج أم الزوجة ؟

 والعلماء أيضا على خلاف، هل يجوز أن تبدأ الزوجة بالإدلاء بشهاداتها الأربع ؟ فجمهور الفقهاء على أنه يجب أن يكونالترتيب كما ورد في القرآن الكريم، أن يبدأ الزوج بالإدلاء بهذه الشهادات الأربع، ثم يشهد الشهادة الخامسة، وبعدهايأتي دور الزوجة.

 حينما يشهد هذه الشهادات الأربع مع الشهادة الخامسة نجا من حد القذف الوارد في الآية السابقة، التي توجب عليهحد القذف، فلمجرد أنه شهد أربع شهادات، وفق هذه الآية نجا من حد القذف، وأوجب على زوجته حد الرجم، لكن هذهالزوجة إن شهدت أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين، فتنجو بهذهالشهادة الخامسة مع الأربع السابقة من حد إقامة الحد عليها، وهو حد الرجم، والمشكلة أنه قد يكون هناك حمل، لذلكأجاز بعض العلماء أن يشهد الزوج أنه صادق فيما رمى به امرأته، وأن هذا الولد الذي في بطنها ليس منه، وبهذا ينفيعنه نسبتُه إليه، وكذلك المرأة تستطيع أن تنفي عن نفسها أن يكون هذا الولد من هذا الرجل، وكلا الطرفين متاح لهما أنينفيا، مع إثبات صدقهما، والولد حينئذٍ ليس تابعًا لهما.

هيئة المتلاعنين في أثناء الشهادة:

 من السُنة أن يحلف، أو أن يشهد الزوج، وهو واقف، والمرأة قاعدة، ثم تنعكس الآية، فتقف المرأة لتدلي بشهاداتها الأربع،والخامسة، وهي واقفة، والزوج جالس، والقاضي عليه إن وصل الزوج إلى الشهادة الرابعة أن يخبره أن عذاب الدنياأهون من عذاب الآخرة، عذاب الدنيا حد القذف، وعذاب الآخرة النار، وعلى القاضي أيضا إن وصلت المرأة إلى الشهادةالخامسة أن يذكرها بأن فضح الدنيا أهون من فضح الآخرة، وأن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، ويراعى أن يشهد هذهالواقعة جمهور من المسلمين كما ورد في كتب الفقه.

معنى: وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابُ

 الحقيقة أن كلمة:

﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابُ﴾

 فهمها بعض الناس أنه العذاب في اليوم الآخر، وليس هذا بصحيح، العذاب هنا هو عذاب الحد الذي يجب أن يقام عليها،ألا وهو الرجم، لقوله تعالى:

﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾

 فالعذاب هنا في هذه الآية هو حد الرجم.

 

هل يُحدُ الزوج القاف الممتنِع عن الملاعنة ؟

 الآن لو أن الزوج - وهذه مشكلة - اتهم زوجته بالزنى، وامتنع أن يلاعنها، ولم يأتِ بالشهود كما جاء في آية القذف فماذاعليه ؟ العلماء قالوا: عليه حد القذف، وهو ثمانون جلدة، إذا امتنع الزوج على أن يشهد أربع شهادات بالله، وعن أن يشهدالشهادة الخامسة التي توجب له النار، شيء آخر، إذا امتنعت الزوجة عن أن تدلي بأربع شهادات، أنه كاذب، وعن أنتشهد الشهادة الخامسة التي توجب لها النار وجب عليها حد الرجم، فلا يوجد حل قضية دقيقة جدا، إما أن تلاعن، وإماأن يقام على الزوج حد القذف، وإما أن تلاعن الزوجة، وإما أن يقام عليها حد الرجم.

 شيء آخر، هذه الآيات المتعلقة بالملاعنة فيها أحكام صريحة، وواضحة في شأن الملاعنة، في مقدمتها أن شهادة الزوجكافية بدل أربعة شهود عدول يصدقون ما ادعى به.

 وأن الزوجة تستطيع بالإدلاء بأربع شهادات بالله، إنه لمن الكاذبين، ومع الشهادة الخامسة أن تمنع عنها حد الرجم.


نتائج الملاعنة:

 وتأتي السنة المطهرة لتبين أن هذه الملاعنة ينتج عنها أشياء ثلاثة:

النتيجة الأولى: نفي الولد عن الرجل وإلحاقه بالمرأة:

الشيء الأول نفي الولد.

النتيجة الثانية: نفي الولد عن الرجل وإلحاقه بالمرأة:

 والشيء الثاني: الفرقة بين المتلاعنين، فبعد التلاعن يحكم القاضي بالفرقة بين الزوجين، لماذا ؟ لنأخذ اتهام الزوج زوجتهبالزنى لو أنه صادق في هذا الاتهام ماذا فعل ؟ فضحها، ونشر سمعتها السيئة بين الناس، وجعلها في موطن ازدراء،واحتقار من المجتمع الإسلامي، هذا إذا كان صادقا، فإذا كان كاذبا فالجرم أكبر، لذلك ينشأ من ملاعنة الزوج، أو ينشأ مناتهام الزوج زوجته بالزنى، ثم الملاعنة ينشأ جرح في نفس الزوجة لا يدمل، أو لا يضمد، أما المرأة فالتي تزني في بيتزوجها، والتي تلحق العار، والشنار بزوجها، إنها فعلت شيئا لا يغتفر، لقد لطخت سمعته، ولوثت فراشه، وألحقت به ماليس له، فإن كانت صادقة في اعترافها بهذا الذنب فجريمتها كبيرة، وإن كانت كاذبة فجريمتها أكبر، لذلك فإن النبيالكريم رأى أن كلا الزوجين جرح الآخر جرحا لا يندمل، لهذا حكم بالفرقة بين المتلاعنين، لذلك لمجرد أن يلاعن الزوج زوجتهيحكم القاضي بالتفريق بينهما، لأن هذين الزوجين ليسا أهلا أن تقوم بينهما حياة سوية صحيحة.

 النتيجة الثالثة: التحريم المؤبد بينهما:

 لكن المشكلة أن هذا التفريق على التأبيد، ولا يوجد طريق أبدا إلى أن تعود هذه الزوجة لهذا الزوج، ولا أن يعود هذا الزوجلهذه الزوجة، فأحكام ثلاثة تؤخذ من آيات الملاعنة: نفي الولد عن الزوج، والفرقة بين المتلاعنين، والتحريم المؤبد بينهما.

 لكن العلماء يقولون: إن الزوج أولى به إذا رأى زوجته تزني في بيته الأولى به أن يطلقها، وألا يلاعنها، إذا طلقها سترحالها فلعلها تتوب، إن احتمل أن يجعلها تتوب على يديه، وصلحت توبتها فهذا يحتاج إلى بطولة، وإذا لم يحتمل فعليهأن يطلقها سترا لحالها، أما إذا لاعنها فقد فضحها، ونشر سمعتها السيئة في المجتمع الإسلامي، وانتهت حياتها.

 


الملاعنة رحمة بالزوج:

 الشيء الذي يلفت النظر هو أن الله سبحانه وتعالى في آخر آيات الملاعنة يقول:

 ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾

 وكأن الله سبحانه وتعالى تفضل على هذه الأمة الإسلامية بهذا الحكم رحمة بالزوج، ورحمة بالزوجة التي يجب أن ترجم،فإذا نطقت بهذه الشهادات يدرأ عنها العذاب، إذا رحمة بالزوجين معا كانت هذه الآيات ؛ آيات الملاعنة.

﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾

 ولكن الشيء الذي يلفت النظر أكثر من هذا أن الله تعالى قال: 

﴿ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ 

 في كل الآيات، آيات الفواصل تواب رحيم، إلا في هذه الآية

﴿ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ 

 إذْ ليس من الحكمة أن تفضح زوجتك، لذلك فتح باب التوبة حتى للمتلاعنين الذين اقترف أحدهما جريمة الزنا، وحينمايتلاعن الزوجان فلابد أن يكون أحدهما كاذبا، وهذا الكاذب الذي ستر حاله بهذا الكذب باب التوبة مفتوح أمامه، ولكنيحتاج إلى جهد كبير.

هذه الآيات، آيات الملاعنة مع آيات القذف، مع حد الزنا تنظم المجتمع الإسلامي، فقضية أن تخون المرأة زوجها قضيةخطيرة، إما أن تنتهي بالفضيحة، وإما أن تنتهي بالفراق الأبدي من هذا الزوج، فإذا كان زوجا محسنا خيرا طيبا سخيافإن على الزوجة أن تعد لآلاف آلاف الملايين قبل أن تفكر بأن تخون هذا الزوج، إنها تفقده، وتفقد سمعتها في وقت واحد.

 


حادثة الإفك: تفاصيلها في الكتاب والسنة:

 تفاصيل الإفك في القرآن الكريم:

 بقي علينا آيات الإفك، وقبل أن نبدأ الحديث عن حديث الإفك الذي ورد في سورة النور في قوله تعالى:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّىكِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (11) لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (12) لَوْلَاجَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (13) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِيالدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (14) إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌوَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (15) وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ(16) 

(سورة النور: الآيات 11-16)

تفاصيل الإفك في السنة: رواية أم المؤمنين عائشة الطاهرة للإفك:

 قبل الحديث عن هذه الآيات سأقرأ على أسماعكم حديث الإفك كما ورد في الصحاح، عن السيدة عائشة رضي الله عنها:كان رسول الله صلى الله عليه وسلم طبعا هذا الكلام على لسان السيدة عائشة رضي الله عنها فيما رواه البيهقي والإمامأحمد والبخاري ومسلم، طبعا حديث رواه أئمة الحديث على خلاف دقيق في الروايات لكن هذه بعض الروايات، فعَنْعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ:

(( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ أَزْوَاجِهِ - أقرع بينهن أي أجرى القرعة، والقرعةمعروفة، والقرعة أمر إسلامي، فإذا حصل خلاف بين أولادك، تنافسوا على شيء، تنافسوا على الذهاب معك إلى جهةفعليك بالقرعة، والنبي عليه الصلاة والسلام سنه لنا، فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا مَعَهُ، فَأَقْرَعَ بَيْنَنَا فِي غَزَاةٍ غَزَاهَافَخَرَجَ سَهْمِي، فَخَرَجْتُ مَعَهُ بَعْدَ مَا أُنْزِلَ الْحِجَابُ - يعني نزلت آيات الحجاب، فصار على السيدة عائشة أن تستر وجههافَأَنَا أُحْمَلُ فِي هَوْدَجٍ - الهودج شبه غرفة صغيرة جدا توضع على الناقة - وَأُنْزَلُ فِيهِ، فَسِرْنَا حَتَّى إِذَا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَزْوَتِهِ تِلْكَ، وَقَفَلَ، وَدَنَوْنَا مِنْ الْمَدِينَةِ - أيْ في طريق العودة - آذَنَ لَيْلَةً بِالرَّحِيلِ - معنى آذن أيْكلف النبي صلى الله عليه وسلم أحدا من المسلمين أن يعلم كل من في هذه الغزوة أن يستعدوا للرحيل، آذن أيْ أعلم - فَقُمْتُحَينَ آذَنُوا بِالرَّحِيلِ فَمَشَيْتُ حَتَّى جَاوَزْتُ الْجَيْشَ، فَلَمَّا قَضَيْتُ شَأْنِي - لاحظوا العبارة اللطيفة - أَقْبَلْتُ إِلَى الرَّحْلِفَلَمَسْتُ صَدْرِي، فَإِذَا عِقْدٌ لِي مِنْ جَزْعِ أَظْفَارٍ قَدْ انْقَطَعَ - هذا عقد ظفار، نوع من أنواع الأحجار الكريمة - فَرَجَعْتُ فَالْتَمَسْتُعِقْدِي، فَحَبَسَنِي ابْتِغَاؤُهُ فَأَقْبَلَ الَّذِينَ يَرْحَلُونَ لِي - جاء رهط ليحملوا هذا الهودج، ويضعوه على الناقة، ويسيروابالسيدة عائشة - فَاحْتَمَلُوا هَوْدَجِي فَرَحَلُوهُ عَلَى بَعِيرِي - رحلوه جعلوه كالرحل، و ما شعروا أنه فارغ - الَّذِي كُنْتُ أَرْكَبُ،وَهُمْ يَحْسِبُونَ أَنِّي فِيهِ - هنا سؤال: لِمَ لمْ يشعروا أنه خفيف وفارغ ؟ الجواب: وَكَانَ النِّسَاءُ إِذْ ذَاكَ خِفَافًا لَمْ يَثْقُلْنَ، وَلَمْيَغْشَهُنَّ اللَّحْمُ - لم يكنَّ سمينات جداً، يبدو أنها كانت نحيلة قليلة الوزن، فلما حملوا هودجها ظنوها به، فحملوا هذاالهودج، ووضعوه على الناقة وساروا - وَإِنَّمَا يَأْكُلْنَ الْعُلْقَةَ مِنْ الطَّعَامِ - يعني ما تقيم به أودها، فلم يستنكر القوم خفةالهودج حين رفعوه - فَلَمْ يَسْتَنْكِرْ الْقَوْمُ حِينَ رَفَعُوهُ ثِقَلَ الْهَوْدَجِ، فَاحْتَمَلُوهُ، وَكُنْتُ جَارِيَةً حَدِيثَةَ السِّنِّ، فَبَعَثُوا الْجَمَلَ،وَسَارُوا فَوَجَدْتُ عِقْدِي بَعْدَمَا اسْتَمَرَّ الْجَيْشُ، فَجِئْتُ مَنْزِلَهُمْ، وَلَيْسَ فِيهِ أَحَدٌ فَأَمَمْتُ مَنْزِلِي الَّذِي كُنْتُ بِهِ - مكان نزولي أيالمكان الذي كنت أجلس فيه - فَأَمَمْتُ مَنْزِلِي الَّذِي كُنْتُ بِهِ، فَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ سَيَفْقِدُونَنِي، فَيَرْجِعُونَ إِلَيَّ، فَبَيْنَا أَنَا جَالِسَةٌغَلَبَتْنِي عَيْنَايَ فَنِمْتُ - طفلة صغيرة - وَكَانَ صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطَّلِ السُّلَمِيُّ ثُمَّ الذَّكْوَانِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْجَيْشِ فَأَدْلَجَ - دخل فيعتمة الليل - فَأَصْبَحَ عِنْدَ مَنْزِلِي فَرَأَى سَوَادَ إِنْسَانٍ نَائِمٍ فَأَتَانِي، وَكَانَ يَرَانِي قَبْلَ الْحِجَابِ، فَاسْتَيْقَظْتُ بِاسْتِرْجَاعِهِ، معنىاسترجع قال: إنا لله، وإنا إليه راجعون، وحوقل قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، وسبحل قال: سبحان الله، دمعز قال: أدام اللهعزك، هلل قال: لا إله إلا الله، كبر قال: الله أكبر - فَاسْتَيْقَظْتُ بِاسْتِرْجَاعِهِ حِينَ عَرَفَنِي، فَخَمَّرْتُ وَجْهِي بِجِلْبَابِي - غطيتوجهي بعدما نزلت آية الحجاب - فَخَمَّرْتُ وَجْهِي بِجِلْبَابِي، وَ وَاللَّهِ مَا كَلَّمَنِي كَلِمَةً، وَلَا سَمِعْتُ مِنْهُ كَلِمَةً غَيْرَ اسْتِرْجَاعِهِ،حَتَّى أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ، فَوَطِئَ عَلَى يَدَيْهَا فَرَكِبْتُهَا، فَانْطَلَقَ يَقُودُ بِي الرَّاحِلَةَ حَتَّى أَتَيْنَا الْجَيْشَ بَعْدَمَا نَزَلُوا مُوغِرِينَ فِي نَحْرِالظَّهِيرَةِ، فَهَلَكَ مَنْ هَلَكَ.

 هذه هي القصة كلها - وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى الْإِفْكَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ ابْنَ سَلُولَ، فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ فَاشْتَكَيْتُ حِينَ قَدِمْتُ شَهْرًا - شكت مرضا ألم بها - وَالنَّاسُ يُفِيضُونَ فِي قَوْلِ أَصْحَابِ الْإِفْكِ لَا أَشْعُرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ يَرِيبُنِي فِي وَجَعِي - الذيدعاني إلى الشك - أَنِّي لَا أَعْرِفُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّطَفَ الَّذِي كُنْتُ أَرَى مِنْهُ حِينَ أَشْتَكِي - تغير، فقدكان ألطف بكثير - إِنَّمَا يَدْخُلُ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُسَلِّمُهذه المرة إذا دخل يسلم، ولكن بحالة أقل لطفامن ذي قبل - ثُمَّ يَقُولُ: كَيْفَ تِيكُمْ ؟ ثُمَّ يَنْصَرِفُ، فَذَاكَ الَّذِي يَرِيبُنِي، وَلَا أَشْعُرُ بِالشَّرِّ، حَتَّى خَرَجْتُ بَعْدَمَا نَقَهْتُ فَخَرَجَتْمَعِي أُمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ الْمَنَاصِعِ، وَهُوَ مُتَبَرَّزُنَا، وَكُنَّا لَا نَخْرُجُ إِلَّا لَيْلًا إِلَى لَيْلٍ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ نَتَّخِذَ الْكُنُفَ قَرِيبًا مِنْ بُيُوتِنَا،وَأَمْرُنَا أَمْرُ الْعَرَبِ الْأُوَلِ فِي التَّبَرُّزِ قِبَلَ الْغَائِطِ، فَكُنَّا نَتَأَذَّى بِالْكُنُفِ أَنْ نَتَّخِذَهَا عِنْدَ بُيُوتِنَا، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ، وَهِيَابْنَةُ أَبِي رُهْمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَأُمُّهَا بِنْتُ صَخْرِ بْنِ عَامِرٍ خَالَةُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَابْنُهَا مِسْطَحُ بْنُ أُثَاثَةَ، فَأَقْبَلْتُ أَنَا وَأُمُّمِسْطَحٍ قِبَلَ بَيْتِي، وَقَدْ فَرَغْنَا مِنْ شَأْنِنَا، فَعَثَرَتْ أُمُّ مِسْطَحٍ فِي مِرْطِهَا، فَقَالَتْ: تَعِسَ مِسْطَحٌ، فَقُلْتُ لَهَا: بِئْسَ مَا قُلْتِ، أَتَسُبِّينَرَجُلًا شَهِدَ بَدْرًا، قَالَتْ: أَيْ هَنْتَاهْ، أَوَلَمْ تَسْمَعِي مَا ؟ قَالَتْ: قُلْتُ: وَمَا قَالَ ؟ فَأَخْبَرَتْنِي بِقَوْلِ أَهْلِ الْإِفْكِ، فَازْدَدْتُ مَرَضًا عَلَىمَرَضِي، فَلَمَّا رَجَعْتُ إِلَى بَيْتِي وَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَعْنِي سَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: كَيْفَ تِيكُمْ ؟ فَقُلْتُ: أَتَأْذَنُ لِيأَنْ آتِيَ أَبَوَيَّ ؟ قَالَتْ: وَأَنَا حِينَئِذٍ أُرِيدُ أَنْ أَسْتَيْقِنَ الْخَبَرَ مِنْ قِبَلِهِمَا، قَالَتْ: فَأَذِنَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجِئْتُأَبَوَيَّ فَقُلْتُ لِأُمِّي: يَا أُمَّتَاهْ، مَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ ؟ قَالَتْ: يَا بُنَيَّةُ هَوِّنِي عَلَيْكِ، فَوَاللَّهِ لَقَلَّمَا كَانَتْ امْرَأَةٌ قَطُّ وَضِيئَةٌ عِنْدَ رَجُلٍيُحِبُّهَا، وَلَهَا ضَرَائِرُ إِلَّا كَثَّرْنَ عَلَيْهَا، قَالَتْ: فَقُلْتُ: سُبْحَانَ اللَّهِ ! أَوَ لَقَدْ تَحَدَّثَ النَّاسُ بِهَذَا ؟ قَالَتْ: فَبَكَيْتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ حَتَّىأَصْبَحْتُ لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ، وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ، حَتَّى أَصْبَحْتُ أَبْكِي.

 وقد سأل النبي عليه الصلاة والسلام سأل أصحابه، وشاورهم في الأمر - فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيَّ بْنَأَبِي طَالِبٍ وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا حِينَ اسْتَلْبَثَ الْوَحْيُ يَسْتَأْمِرُهُمَا فِي فِرَاقِ أَهْلِهِ، قَالَتْ: فَأَمَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍفَأَشَارَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالَّذِي يَعْلَمُ مِنْ بَرَاءَةِ أَهْلِهِ وَبِالَّذِي، يَعْلَمُ لَهُمْ فِي نَفْسِهِ مِنْ الْوُدِّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَاللَّهِ، أَهْلَكَ، وَلَا نَعْلَمُ إِلَّا خَيْرًا، وَأَمَّا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَمْ يُضَيِّقْ اللَّهُ عَلَيْكَ، وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ، وَإِنْتَسْأَلْ الْجَارِيَةَ تَصْدُقْكَ، قَالَتْ: فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَرِيرَةَ، فَقَالَ: أَيْ بَرِيرَةُ، هَلْ رَأَيْتِ مِنْ شَيْءٍ يَرِيبُكِ ؟ قَالَتْبَرِيرَةُ: لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، إِنْ رَأَيْتُ عَلَيْهَا أَمْرًا أَغْمِصُهُ عَلَيْهَا أَكْثَرَ مِنْ أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ تَنَامُ عَنْ عَجِينِ أَهْلِهَا،فَتَأْتِي الدَّاجِنُ فَتَأْكُلُهُ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَعْذَرَ يَوْمَئِذٍ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ، قَالَتْ: فَقَالَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، مَنْ يَعْذِرُنِي مِنْ رَجُلٍ قَدْ بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي أَهْلِ بَيْتِي،فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا خَيْرًا، وَلَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا، وَمَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا مَعِي - والصحابة طبعا وقفوا مواقف مشرفة من هذه الخطبة، فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ الْأَنْصَارِيُّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَا أَعْذِرُكَ مِنْهُ، إِنْكَانَ مِنْ الْأَوْسِ ضَرَبْتُ عُنُقَهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ إِخْوَانِنَا مِنْ الْخَزْرَجِ أَمَرْتَنَا فَفَعَلْنَا أَمْرَكَ، قَالَتْ: فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَهُوَ سَيِّدُالْخَزْرَجِ، وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ رَجُلًا صَالِحًا، وَلَكِنْ احْتَمَلَتْهُ الْحَمِيَّةُ، فَقَالَ لِسَعْدٍ: كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللَّهِ، لَا تَقْتُلُهُ، وَلَا تَقْدِرُ عَلَى قَتْلِهِ، فَقَامَأُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ وَهُوَ ابْنُ عَمِّ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فَقَالَ لِسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ: كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللَّهِ لَنَقْتُلَنَّهُ، فَإِنَّكَ مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عَنْ الْمُنَافِقِينَ،فَتَثَاوَرَ الْحَيَّانِ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ حَتَّى هَمُّوا أَنْ يَقْتَتِلُوا، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمٌ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُاللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُخَفِّضُهُمْ حَتَّى سَكَتُوا وَسَكَتَ، قَالَتْ: فَبَكَيْتُ يَوْمِي ذَلِكَ لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ، وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ، قَالَتْ:فَأَصْبَحَ أَبَوَايَ عِنْدِي، وَقَدْ بَكَيْتُ لَيْلَتَيْنِ وَيَوْمًا لَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ، وَلَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ، يَظُنَّانِ أَنَّ الْبُكَاءَ فَالِقٌ كَبِدِي، قَالَتْ: فَبَيْنَمَاهُمَا جَالِسَانِ عِنْدِي، وَأَنَا أَبْكِي فَاسْتَأْذَنَتْ عَلَيَّ امْرَأَةٌ مِنْ الْأَنْصَارِ، فَأَذِنْتُ لَهَا فَجَلَسَتْ تَبْكِي مَعِي، قَالَتْ: فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَىذَلِكَ دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَلَّمَ، ثُمَّ جَلَسَ، قَالَتْ: وَلَمْ يَجْلِسْ عِنْدِي مُنْذُ قِيلَ مَا قِيلَ قَبْلَهَا، وَقَدْ لَبِثَشَهْرًا لَا يُوحَى إِلَيْهِ فِي شَأْنِي، قَالَتْ: فَتَشَهَّدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ جَلَسَ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، يَا عَائِشَةُ، فَإِنَّهُقَدْ بَلَغَنِي عَنْكِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ كُنْتِ بَرِيئَةً فَسَيُبَرِّئُكِ اللَّهُ، وَإِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرِي اللَّهَ، وَتُوبِي إِلَيْهِ، فَإِنَّ الْعَبْدَ إِذَااعْتَرَفَ بِذَنْبِهِ، ثُمَّ تَابَ إِلَى اللَّهِ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، قَالَتْ: فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَقَالَتَهُ قَلَصَ دَمْعِي حَتَّىمَا أُحِسُّ مِنْهُ قَطْرَةً، فَقُلْتُ لِأَبِي: أَجِبْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا قَالَ، قَالَ: وَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ لِأُمِّي: أَجِيبِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَتْ: مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُعَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَتْ: فَقُلْتُ وَأَنَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ لَا أَقْرَأُ كَثِيرًا مِنْ الْقُرْآنِ: إِنِّي وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُ لَقَدْ سَمِعْتُمْ هَذَا الْحَدِيثَ حَتَّىاسْتَقَرَّ فِي أَنْفُسِكُمْ، وَصَدَّقْتُمْ بِهِ، فَلَئِنْ قُلْتُ لَكُمْ: إِنِّي بَرِيئَةٌ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ لَا تُصَدِّقُونِي بِذَلِكَ، وَلَئِنْ اعْتَرَفْتُ لَكُمْ بِأَمْرٍ،وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي مِنْهُ بَرِيئَةٌ لَتُصَدِّقُنِّي، وَاللَّهِ مَا أَجِدُ لَكُمْ مَثَلًا إِلَّا قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ قَالَ:

﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ 

 قَالَتْ: ثُمَّ تَحَوَّلْتُ فَاضْطَجَعْتُ عَلَى فِرَاشِي، قَالَتْ: وَأَنَا حِينَئِذٍ أَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ، وَأَنَّ اللَّهَ مُبَرِّئِي بِبَرَاءَتِي، وَلَكِنْ وَاللَّهِ مَا كُنْتُأَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ مُنْزِلٌ فِي شَأْنِي وَحْيًا يُتْلَى - ما كانت تصدق ذلك ـ وَلَشَأْنِي فِي نَفْسِي كَانَ أَحْقَرَ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللَّهُ فِيَّ بِأَمْرٍيُتْلَى، وَلَكِنْ كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَرَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّوْمِ رُؤْيَا يُبَرِّئُنِي اللَّهُ بِهَا - كل ظنها أن النبي يرىرؤيا، قَالَتْ: فَوَ اللَّهِ مَا رَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا خَرَجَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ - رام يعني ترك مجلسه - وَلَا خَرَجَأَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ حَتَّى أُنْزِلَ عَلَيْهِ فَأَخَذَهُ مَا كَانَ يَأْخُذُهُ مِنْ الْبُرَحَاءِ، حَتَّى إِنَّهُ لَيَتَحَدَّرُ مِنْهُ مِثْلُ الْجُمَانِ مِنْ الْعَرَقِ، وَهُوَ فِييَوْمٍ شَاتٍ - يوم من أيام الشتاء - مِنْ ثِقَلِ الْقَوْلِ الَّذِي يُنْزَلُ عَلَيْهِ، قَالَتْ: فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَي



حكم اتهام الزوج لزوجته بالزنا، من الأحكام الشرعية التي يجدر بالعبد المسلم معرفتها،فالحياة الزوجية لا بُد وأن تبنى على المودة والرحمة والمعاشرة بالمعروف وهذا مما حث عليهالقرآن الكريم وسنة رسولنا الكريم، فالزواج الشرعي ما هو إلا سكن الزوج إلى زوجته وسكنالزوجة إلى زوجها بكل حب وود ورضا، ولا سيما وأن الزوج عليه أن يحافظ على زوجتهويبتعد عن كل ما يؤذيها، ولهذا سيتم التعرف في موقع المرجع على تعريف اللعان، وما حكماتهام الزوج لزوجته بالزنا، وما أسباب اتهام الزوج لزوجته بالخيانة، وما حكم اتهام الزوجةبالزنا كذبًا، وما حكم شك الزوج في زوجته، وما حكم اتهام الزوجة لزوجها بالزنا في هذاالمقال.



تعريف اللعان

جاء اللعان من اللعن ويقصد به في اللغة: الطرد والإبعاد، وأما في الاصطلاح الشرعي: فهو ما يكون بين الزوجين منالشهادات والأيمان المؤكدة في حالة معينة، وهو أن يرمي الزوج زوجته بالزنا، ولكن من غير بينة ودليل، مع إنكار الزوجةهذا الفعل، أو أنه يدعي الزوج أن ولد زوجته ليس منه وهي تنكر هذه الدعوى، حينها يلجآن إلى الملاعنة، وهذا بدليلقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ ۙ إِنَّهُ لَمِنَالصَّادِقِينَ*وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ*وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَن تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ ۙ إِنَّهُ لَمِنَالْكَاذِبِينَ*وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ}،[1] وبعد أن يتم اللعان بينهما تحصل الفرقة على التأبيد،ويدرأ عنها الحد وينتفي نسب الولد عنه.[2]


حكم اتهام الزوج لزوجته بالزنا

لا يجوز أن يتهم الزوج زوجته بالزنا فهذا من الكبائر التي تؤدي إلى العذاب العظيم، بدليل قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَالْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}،[3] حيث إنه إذا رمى الزوج زوجته بالزنا منغير بينة فإنها لها الحق في أن تطالبه بحد القذف عند القاضي الشرعي، وهذا ليجلد ثمانين جلدة؛ إلا أن تعفو وتصفحهذه الزوجة عن اتهام زوجها، ويتوب الله -عز وجلعن هذا الزوج مع تركه لهذا الكلام والاتهام، إلا أن يثبت الزنا بأربعةشهود أو يلاعن أمام المحكمة، وإذا طلبت الزوجة الفرقة والطلاق فلها ذلك.[4]


أسباب اتهام الزوج لزوجته بالخيانة

تتعدد أسباب اتهام الزوج لزوجته بالخيانة، والتي ينتج عنها إما استمرار الحياة مع وجود المشاكل، وإما الانفصال،ولهذا فإنه لا بد من بيان ومعرفة أسباب هذا الاتهام في النقاط الآتية:

١ - تغير سلوك الزوجة وطريقة تعاملها مع زوجها.

٢ - تأثر الأزواج بقصص الخيانة الزوجية التي تكون وراء الإعلام والتلفاز.

٣ - أن تكون طيعة الزوج شكاكة؛ أي أنه يشك بزوجته من أدنى تصرف.

٤ - استمرار المشاحنات وسوء التفاهم بين الزوجين.

٥ - استمرار الزوجة بطلب الطلاق والانفصال دون مبرر.

٦ - أن يكون الزوج خائنًا؛ فإنه يشعر بخيانة من حوله بكل سهولة.


حكم اتهام الزوج لزوجته بالزنا كذبًا

بيّن العلماء أنه من يحرم على الزوج أن يتهم زوجته بالزنا كذبًا، فهذا من البهتان العظيم، حيث جاء في حديث رسول الله-صلى الله عليه وسلمأنه قال: “أتدرون ما الغيبة ؟ ذكرك أخاك بما يكره إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيهفقد بهته”،[5] وهذا مما لا يجوز بين الأشخاص فكيف بين الأزواج، ولهذا فعلى الزوج أن يتقي الله تعالى وليحذر منعقوبته جراء هذا الاتهام الباطل والكاذب، وهذا بدليل قول رسول الله: “ومن قال في مؤمن ما ليس فيه أسكنه الله ردغةالخبال حتى يخرج مما قال و ليس بخارج”؛[6] والردغة الخبال هي: عصارة أهل النار والعياذ بالله، ولا سيما أنه يحتاجإلى أن يحلف على هذا الاتهام؛ فإن كان كاذبًا فقد دخل باليمين الغموس الذي يلحقه بالكبائر التي مصيرها نار جهنم.[7]


اتهام الزوجة لزوجها بالخيانة وأثر الاتهام الباطل


ما حكم اتهام الزوجة لزوجها بالخيانة دون دليل؟ ما تأثير الاتهام الباطل بالخيانة على علاقة الزوجين؟ وكيف يجب أنيتعامل الزوج مع اتهام الزوجة له بالخيانة؟


الخيانة الزوجية قد تكون هاجساً يؤرق الكثير من الزوجات والأزواج، وقد يدفع هذا الهاجس والخوف من الخيانة إلىترقّب حدوثها وتفسير بعض المواقف العادية كأدلة على الخيانة، ثم إطلاق الاتهامات الباطلة.

لماذا تتهم الزوجة زوجها بالخيانة؟ وكيف يؤثر الاتهام الباطل بالخيانة على علاقة الزوجين؟ ما هو حكم الشرع باتهامالزوجة لزوجها بالخيانة؟ وكيف تتعامل مع اتهامات زوجتك الباطلة؟ هذه الأسئلة وغيرها نحاول الإجابة عنها في هذاالمقال.


قد تتسرع الزوجة باتهام زوجها بالخيانة قبل أن تتأكد أو تمتلك أدلّة على الخيانة، وهذا يجعل موقفها ضعيفاً حتى إنكان الزوج خائناً فعلاً؛ فكيف إن كان بريئاً من تهمة الخيانة الزوجية.


سبعة أسباب تدفع الزوجة لاتهام زوجها بالخيانة دون دليل

١ - تجربة سابقة مع الخيانة الزوجية: تعرض الزوجة لخيانة سابقة من أهم الأسباب التي تجعل الزوجة تتهم زوجهابالخيانة، حتى إن كانت قد تعرضت للخيانة في علاقة قبل الزواج أو في زواج سابق، وفي بعض الحالات قد تكون الزوجةشاهدة على حالة خيانة زوجية أثرت بها وجعلتها تخاف من عيش نفس التجربة، ما يدفعها للتسرع باتهام زوجهابالخيانة دون دليل وقبل أن تتأكد.

٢ - تصرفات الزوج المشبوهة: الزوج ليس بريئاً دائماً من اتهام الزوجة له بالخيانة، فكثيراً ما يحيط الزوج نفسه بهالةمن السرية والغموض تخلق الشكوك عند الزوجة وتغذيها، وفي بعض الأحيان قد يتقصّد الزوج استثارة غيرة الزوجة منباب المزاح أو حتى كنوع من اختبار مشاعرها، هذا الاختبار الطفولي قد يخلق قناعةً لدى الزوجة أن زوجها رجلٌ خائنبصباص.

٣ - تحريض الآخرين للزوجة: بمجرد أن تشعر الزوجة بشيء غريب في سلوك زوجها وتصرفاته؛ ستجد ألف من يؤكد لهأنه خائن، وليس من النادر أن تتعرض الزوجة للتحريض من صديقاتها أو أهلها بشكل يشبه غسيل الدماغ، يغذي لديهاالشكوك الوهمية ويدفعها بالنهاية لمواجهة زوجها باتهام الخيانة دون أن تمتلك دليلاً ملموساً أو حتى مقنعاً.

٤ - الشك المرضي: الشكّ المرضي قد يرتبط بالعديد من المشاكل النفسية واضطرابات الشخصية، حيث تعاني الزوجة فيهذه الحالة من الشك المفرط دون أن يكون هناك ما يدعو للشك فعلاً، وتبني شكوكها على أتفه التفاصيل، ليس فقط معزوجها؛ بل مع صديقاتها وأهلها وجيرانها وأبنائها.

عادةً ما يصعب التخلص من حالة الشك المرضي بشكل منفرد، وتحتاج الزوجة للتعاون مع مقدم الرعاية النفسية لعلاججذور المشكلة.

٥ - الخوف المرضي من الخيانة: قد يكون الخوف المرضي من الخيانة انعكاساً نفسياً للتجارب السابقة التي مرت بهاالزوجة مع زوجها أو في علاقات سابقة، وقد يكون أيضاً انعكاساً لاهتزاز الصورة الذاتية وعدم ثقة الزوجة بنفسها أواستحقاقها لزوجها، لذلك تعتقد أنها ستكون عرضة للخيانة في أي وقت، وعلى غرار الشك المرضي تحتاج هذه الحالةللتحليل النفسي من قبل متخصص.

٦ - أزمة الملل الزوجي: تمر جميع الزيجات بمراحل متباينة من حيث استقرار العلاقة وقوة المشاعر فيها، وقد لا تجيدالزوجة تفسير بعض هذه المنعطفات في الحياة الزوجية، وتفسر فتور المشاعر أو الإهمال كدليل على الخيانة الزوجية أوإشارة خطر إلى قرب وقوع الخيانة.

٧ - تريد إنهاء الزواجفي بعض الحالات تدرك الزوجة تماماً أن زوجها لم يخنها، لكنها تتذرع باتهام الخيانة لإنهاءالزواج دون أن تتحمل مسؤولية الانفصال، فقد لا تجد عيوباً تجعلها تنفر من زوجها، فتلجأ للافتراء عليه واتهامهبالخيانة التي يصعب التثبت منها عموماً.


تأثير الاتهام الباطل بالخيانة على الزوجين

لن يمر الاتهام الباطل بالخيانة دون أن يترك أثراً عميقاً على العلاقة الزوجية حتى وإن أثبت الزوج براءته وأدركت الزوجةتسرّعها وخطأها بحق زوجها، وهذه أبرز آثار الاتهام الباطل بالخيانة على حياة الزوجين:

تزايد الخلافات بين الزوجين: حتى بعد انتهاء أزمة الاتهام بالخيانة ستكون الخلافات العادية أكثر شدة وعمقاً، وقديتخلى الزوج المظلوم عن مرونته -إن وجدت-  في مواجهة الخلافات الزوجية، بل قد يبدأ بفتح دفاتر قديمة واستحضارمشاكل لا تعرف الزوجة بوجودها أصلاً.

الضغط النفسي الشديد: من جهة تعاني الزوجة من الشك والغيرة القاتلة، وإن تأكدت من براءة زوجها لن ترتاح من شعورالذنب بسهولة، ومن جهة أخرى يقع الزوج المتهم بالخيانة ظلماً تحت ضغط نفسي شديد، فهو يعرف براءته ويحاولالدفاع عن نفسه، وفي نفس الوقت يشعر بالإهانة لأنه متهم من أقرب الناس إليه بذنبٍ لم يقترفه، وقد يكتشف أنه مراقبوهناك من يتجسس عليه في كل لحظة!

قد يكون الاتهام بالخيانة سبباً للخيانةيتصرف بعض الرجل بطريقة طفولية، فيعتبرون الخيانة أفضل رد اعتبار بعدالاتهام الباطل بالخيانة، وحتى من لا يتصرف بهذه الطريقة قد يقوده الشك المرضي عند زوجته إلى البحث عن علاقاتٍخارج الزوج، وربما دخل في تحدٍ مع الذات أنه يستطيع الخيانة دون أن تمسك عليه دليلاً!

وكانت هذه الفكرة التي بُنيت عليها قصة الفيلم المصري "نادي الرجال السري" حيث يجتمع مجموعة من الرجالويخططون لجعل الخيانة محكمة وغير قابلة للاكتشاف، ويكون مؤسس النادي وبطل الفيلم من ضحايا الغيرة والشكالمفرطين.

الانفصال العاطفي: قد يقود اتهام الزوجة لزوجها بالخيانة إلى فتور العلاقة الزوجية والانفصال العاطفي بين الزوجين،حيث لا يكون من السهل على الزوج قبول هذا الاتهام وهو من قلة الرجال المخلصين، كما لا يكون من السهل على الزوجةطرد الشكوك من رأسها خصوصاً مع وجود تحريض مستمر من أطراف خارجية، في نهاية المطاف يعيش الزوجان حياةًباردة، يستمر فيها الزواج على الورق وأمام الناس فقط.

الطلاق: من الحلول التي يلجأ لها بعض الرجال هو الانفصال النهائي، إما لعدم تقبله الإهانة من زوجته التي اتهمتهبالباطل، أو بسبب تكرار الاتهامات الباطلة بالخيانة وتراكم تأثيرها على العلاقة بين الزوجين.


حكم اتهام الزوجة لزوجها بالخيانة

حكم الشرع باتهام زوجة لزوجها بالزنا 

من وجهة النظر الشرعية يعتبر اتهام أحد طرفي الزواج للآخر بالزنى -أو الخيانة الزوجية الجسديةدون أن يكون لديهالأدلة الشرعية وهي الشهود الأربعة أو إقرار المتهم؛ يعتبر قذفاً موجباً لحد القذف، وقد أشارت اللجنة الدائمة للبحوثالعليمة والإفتاء في كتاب الفتاوى الفتوى رقم (18911) أن اتهام الزوجة لزوجها بالخيانة والزنى يوجب عليها حد القذفوهو حد عام للرجال والنساء، يسقط عن القاذف بالعفو أو اللعان.

ورجّح أهل العلم أن الأولى في حال ارتابت الزوجة وشكّت بخيانة زوجها ووقوعه في إثم الزنى؛ أن تلجأ للإصلاحوالنصيحة، وإن خافت على نفسها فتطلب الطلاق


الزوج إذا اتهمته زوجته بالخيانة :

فكّر بالأسباب وراء اتهامك بالخيانة: أول ما يجب على الزوج فعله عند اتهامه بالخيانة هو تحليل الأسباب وتحديدمسؤوليته ودوره في هذا الاتهام، هل تغيّر سلوكه مؤخراً أو أخفى بعض الأمور التي جعلت زوجته تشك؟ هل طبيعةزوجته الشك المفرط؟ هل حاول هو إيهامها أنه غير مخلص لها تماماً؟ هل حدثت حالة خيانة في وقت قريب لأحد يعرفانه؟

بناءً على تحديد أسباب الاتهام تستطيع التعامل معه بشكل أفضل، ومهما كان سبب الاتهام يجب أن تحاول استيعابالموقف وإخماد شكوك زوجتك بالدرجة الأولى قبل أن تفكر بالرد عليها أو عقابها.

تعامل مع الأمر بهدوء وحكمة: الغضب والصراخ قد يساهم بتثبيت التهمة عليك، كذلك البرود المصطنع قد يزيد منالشكوك، حاول أن تكون طبيعياً وهادئاً أو تناقش الزوجة بما تفكر به وتعتقده، وأجِّل العتاب إلى مرحلة لاحقة بعد أنتثبت براءتك، فعلاقة الزواج ليست معركة يجب أن تنتصر بها، وإنما حياة مشتركة قائمة على التفاهم والتقبّل والتسامح.

فسّر بعض الأمور الغامضة: لا تتردد بتفسير بعض الأمور أو التصرفات الغامضة التي زرعت الشك في قلب زوجتك، فسرلها سبب تغيبك في ذلك اليوم أو سبب وجودك في مكانٍ ما، وحاول أن تكون مرناً في الإجابة عن أسئلتها لأن الهدف هوتهدئتها أولاً.

قدّم حلولاً مناسبة: في كثير من الحالات قد تحتاج لدفع زوجتك نحو الحلول والخيارات المتاحة لتتأكد من براءتك، اسألهابشكل مباشر عمّا تريده لتنزع هذه الشكوك من رأسها، واطرح عليها حلولاً تساعدها بالتأكد من إخلاصك لها.

اطلب استشارة زوجية: عندما تصل لطريق مسدود مع شكوك زوجتك واتهامها لك بالخيانة؛ قد يكون من الحكمة اللجوءلمستشار العلاقات الزوجية الذي يستطيع تحليل المشكلة بعين اختصاصية وحيادية، ويقدم لك حلولاً فعّالة.

اطلب تدخل العقلاء: لا نفضل تدخل الأهل أو الأصدقاء في علاقة الزوجين، لكن إن كنت تجد بين الأهل من يتمتع بالحكمةوالأمانة للتدخل بينكما وحل المشكلة فلا بأس، تأكد أن يكون حافظاً لأسراركما، وله تأثير على زوجتك.

هل أنت خائن فعلاً؟ كل الحلول التي قدمّنها لك على اعتبار أنك زوج تعرض للاتهام بالخيانة وهو بريء، أما إن كنتخائناً وزوجتك لم تمتلك الدليل بعد؛ فعليك أولاً أن تتوقف عن الخيانة، ثم أن تفكر إن كان الاعتراف بخيانتك في مصلحةالزواج، أم الاستمرار بالإنكار مع التوبة عن الخيانة سيكون أفضل!


قصة حقيقة عن اتهام الزوجة للزوج بالخيانة

الزوجة تقول أنها اتصلت بزوجها عندما كانت في زيارة عائلية ليمر ويأخذها، وكان يتنفس بطريقة غريبة عندما أجابعلى الهاتف.

الزوجة سألت إحدى صديقاتها إن كانت الطريقة التي يتنفس بها زوجها على الهاتف تدل أنه يخونها، فأكدت لهاصديقتها ذلك ! وتكررت نفس الحادثة مرة أخرى، لكن هذه المرة غضبت وثارت وسألت زوجها بريبة لماذا يتنفس بهذهالطريقة، فأنهى المكالمة وأغلق الهاتف، وأكدت الصديقة إياها أن هذا الرجل خائن لا محالة، كما أكد زوج الصديقة خيانةالزوج!

هل كان يصعد على السلم؟ ربما يمشي بسرعة ليصل إلى موعد ما؟ شاركوا آراءكم من خلال النقر هنا حول اتهام هذهالزوجة لزوجها بالخيانة لأنه تنفس بطريقة غريبة على الهاتف.


حكم شك الزوج في زوجته

لا يجوز للزوج في أن يشك في زوجته، ولا يحق له أن يشك في أي تصرف أو فعل يصدر منها قد يسوء فهمه ويعرضشرفها وعرضها للإتهام،  حيث إن الواجب على الزوج أن يتقي الله سبحانه وتعالى في زوجته وأن يحافظ عليها ويبتعدعن ظن السوء؛ الذي يصل به إلى التجسس والقذف الذي نهت عنه الشريعة الإسلامية، حيث قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَآمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْم وَلا تَجَسَّسُوا}،[8] وقال أيضًا: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِالْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}،[9] وقد ذكر الشيخ  السعدي في تفسيره:[10]

نهى الله تعالى عن كثير من الظن السوء بالمؤمنين ؛ فـ ( إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ) وذلك كالظن الخالي من الحقيقة ، والقرينة ،وكظن السوء الذي يقترن به كثير من الأقوال ، والأفعال المحرمة ، فإن بقاء ظن السوء بالقلب لا يقتصر صاحبه على مجردذلك ، بل لا يزال به حتى يقول ما لا ينبغي ، ويفعل ما لا ينبغي ، وفي ذلك أيضاً : إساءة الظن بالمسلم ، وبغضه ، وعداوتهالمأمور بخلاف ذلك منه، ( وَلا تَجَسَّسُوا ) أي : لا تفتشوا عن عورات المسلمين ، ولا تتبعوها ، واتركوا المسلم على حاله ،واستعملوا التغافل عن أحواله التي إذا فتشت : ظهر منها ما لا ينبغي.

فمن الجدير بالذكر أنه على الزوج أن يبتعد عن الشك المفضي إلى النزاع، وأن لا يقع تحت وساوس الشيطان التي منشأنها أن توقع العداوة بين الأزواج، فالحفاظ على الزوجة وصون عرضها وشرفها من مهام الزوج فلا يحق أن يكون هوالمتسبب في ذلك، فالشريعة الإسلامية بينت ذلك من خلال قصة الصحابي الذي تعرَّض لإمرأته بأمارة ضعيفة؛ وكيف بيّنله رسول الله -صلى الله عليه وسلمسوء الاستسلام لوساوس الشيطان والنفس؛ وهذا بدليل حديثه فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّرَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : “يَا رَسُولَ اللَّهِ وُلِدَ لِي غُلَامٌ أَسْوَدُ فَقَالَ : ( هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ ) قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ ( مَاأَلْوَانُهَا ) قَالَ : حُمْرٌ ، قَالَ ( هَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ ) قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ ( فَأَنَّى ذَلِكَ ) قَالَ : لَعَلَّهُ نَزَعَهُ عِرْقٌ قَالَ ( فَلَعَلَّ ابْنَكَ هَذَانَزَعَهُ)”.[11]


حكم اتهام الزوجة لزوجها بالزنا :

لا يجوز أن تتهم الزوجة زوجها بالزنا دون بينة وهي أن تاتي بأربعة شهود، فعندها تحد الزوجة حد القذف؛ بدليل قولالله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَهُمُ الْفَاسِقُونَ}،[12] فهذه الآية اشتملت على الرجال والنساء على حد سواء، حيث ذكر القرطبي في تفسيرها:[13]

ذكر الله تعالى في الآية النساء من حيث هنّ أهم ، ورميهن بالفاحشة أشنع وأنكى للنفوس . وقذف الرجال داخل في حكمالآية بالمعنى ، وإجماع الأمة على ذلك،وقال المارودي: وإذا قذفت المرأة زوجها حُدَّت ولم تلاعن.

وونقول إن تأكدت الزوجة من زنا زوجها لكن من غير وجود الأربعة شهود؛ فعليها أن تقوم على نصحه وإرشاده وتذكيرهبالله سبحانه وتعالى وعقاب ذلك، وإن استمر فلها أن تطلب الطلاق أو المخالعة، لما يترتب على الاستمرار من زيادة المسألةسوءًا.

وبهكذا نكون قد وصلنا إلى ختام مقال حكم اتهام الزوج لزوجته بالزنا، وبينا أنه من المحرم  شرعًا أن يقوم بذلك، ثمتعرفنا على مفهوم اللعان، وبينا أسباب اتهام الزوج لزوجته بالخيانة، وبينا حكم شك الزوج بزوجته واتهامها بالزناكذبًا، وما حكم اتهام الزوجة لزوجها بالزنا.

إذا اتهمت زوجها بالزنا هل لها أن تلاعنه  

أود معرفة ما هو الإجراء الذي تتبعه المرأة التى تتهم زوجها بالزناهل عليها أن تقسم يمين اللعان على نفسها كما فىسورة النور؟ أم أن هذا يسري فقط على الزوج الذى يتهم زوجته؟]


اللعان إنما يشرع لأمرين :

الأول : إذا قذف الزوج زوجته بالزنا ، ولم يأت بأربعة شهود ، فله إسقاط حد القذف عنه باللعان .

والثاني : أن يريد نفي الولد عنه .

والأصل في ذلك قوله تعالى : ( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ...الآيات) النور/6

قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره : " هذه الآية الكريمة فيها فَرَجٌ للأزواج وزيادة مخرج إذا قذف أحدهم زوجته ، وتعسّرعليه إقامة البينة أن يلاعنها كما أمر الله عز وجل وهو أن يحضرها إلى الإمام فيدّعي عليها بما رماها به ، فيحلفه الحاكمأربع شهادات بالله في مقابلة أربعة شهداء إنه لمن الصادقين أي فيما رماها به من الزنا ، والخامسة أن لعنة الله عليه إن كانمن الكاذبين ، فإذا قال ذلك ، بانت منه بنفس هذا اللعان عند الشافعي وطائفة كثيرة من العلماء ، وحرمت عليه أبداً ،ويعطيها مهرها ويتوجب عليها حد الزنا ، ولا يدرأ عنها العذاب إلا أن تلاعن فتشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين ، أيفيما رماها به والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين ، ولهذا قال : ( ويدرأ عنها العذاب ) يعني الحد ( أنتشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين * والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين ) " انتهى .

وأما الزوجة فإذا قذفت زوجها بالزنا ، ولم تأت بأربعة شهود ، فإنها تحد حدّ القذف ؛ لقوله تعالى : ( وَالَّذِينَ يَرْمُونَالْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) النور/4 .

وهذه الآية تشمل قذف النساء والرجال سواء .

قال القرطبي رحمه الله في تفسيره : " ذكر الله تعالى في الآية النساء من حيث هنّ أهم ، ورميهن بالفاحشة أشنع وأنكىللنفوس . وقذف الرجال داخل في حكم الآية بالمعنى ، وإجماع الأمة على ذلك " انتهى .

وقال الماوردي في "الأحكام السلطانية" ص 287 : " وإذا قذفت المرأة زوجها حُدَّت , ولم تلاعن " انتهى .

وإذا علمت المرأة بزنا زوجها ، ولم يكن لديها البينة ، وهي أربعة شهود ، فإن عليها أن تنصحه وتذكره وتخوفه بالله تعالى، فإن استمر في غيه ، فلتطلب الطلاق منه ، أو تخالعه ، لأنه لا خير لها في البقاء معه ، ولما قد يترتب على مجامعته لها منمضرة عليها .

والله أعلم .


هناك فرق بين الرجل إذا قذف امرأته والمرأة إذا قذفت زوجها، الرجل إذا قذف امرأته لا يُكلّف البيّنة بل يقال له إما أن تُقيمالبيّنة وإما أن تُقر المرأة وإما أن تلاعن، أما المرأة إذا قذفت زوجها فنقول أقيمي البيّنة أو يقر الزوج أو تحدين حد القذف،ولا فيه ملاعنة، الدليل لذلك أن الله قال (( وَالَّذينَ يَرمونَ أَزواجَهُم )) ولم يقل واللاتي يرمين أزواجهن، (( يَرمونَ أَزواجَهُم ))فخص ذلك بالرجال.

ثانيا أن هذا تخصيص من تعميم والتخصيص من التعميم لا يوجب خروج بقية الأفراد عن الحكم فتدخل المرأة في حكممن يقذف محصنا.

ثالثا أن الرجل يصعب عليه جدا أن يقذف زوجته بالزنا إلا وهو متيقن ذلك، لأن قذفه إياها بالزنا يوجب أن يشك الناس فيأولاده هل هم له أو لا؟ وهو عار عظيم عليه، حتى إن الرسول عليه الصلاة والسلام أذن للرجل إذا وجد إنسانا على زوجتهوالعياذ بالله أذن له أن يضربه بالسيف بدون إنذار وأن يقطعه جزلتين، أما المرأة فلا يهمها أن ترمي زوجها بالزنا وربماتتهمه لكثرة الوساوس عندها وتريد أن تتخلّص منه فتقول للحاكم أقم بيني وبينه الملاعنة حتى ألاعنه وأتخلّص منه،فلهذا لا يصح إلحاق المرأة بالرجل في هذه المسألة، نعم.

محمد بن صالح العثيمين



موقع الإسلام سؤال وجواب

الحمد لله

اللعان إنما يشرع لأمرين:

الأول: إذا قذف الزوج زوجته بالزنا، ولم يأت بأربعة شهود، فله إسقاط حد القذف عنه باللعان.

والثاني: أن يريد نفي الولد عنه.

والأصل في ذلك قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُلَمِنَ الصَّادِقِينَ ... الآيات) النور/6

قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره: " هذه الآية الكريمة فيها فَرَجٌ للأزواج وزيادة مخرج إذا قذف أحدهم زوجته، وتعسّرعليه إقامة البينة أن يلاعنها كما أمر الله عز وجل وهو أن يحضرها إلى الإمام فيدّعي عليها بما رماها به، فيحلفه الحاكمأربع شهادات بالله في مقابلة أربعة شهداء إنه لمن الصادقين أي فيما رماها به من الزنا، والخامسة أن لعنة الله عليه إن كانمن الكاذبين، فإذا قال ذلك، بانت منه بنفس هذا اللعان عند الشافعي وطائفة كثيرة من العلماء، وحرمت عليه أبداً،ويعطيها مهرها ويتوجب عليها حد الزنا، ولا يدرأ عنها العذاب إلا أن تلاعن فتشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، أيفيما رماها به والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين، ولهذا قال: (ويدرأ عنها العذاب) يعني الحد (أن تشهدأربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين * والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين) " انتهى.

وأما الزوجة فإذا قذفت زوجها بالزنا، ولم تأت بأربعة شهود، فإنها تحد حدّ القذف؛ لقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَالْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) النور/4.

وهذه الآية تشمل قذف النساء والرجال سواء.

قال القرطبي رحمه الله في تفسيره: " ذكر الله تعالى في الآية النساء من حيث هنّ أهم، ورميهن بالفاحشة أشنع وأنكىللنفوسوقذف الرجال داخل في حكم الآية بالمعنى، وإجماع الأمة على ذلك " انتهى.

وقال الماوردي في "الأحكام السلطانية" ص 287: " وإذا قذفت المرأة زوجها حُدَّت , ولم تلاعن " انتهى.

وإذا علمت المرأة بزنا زوجها، ولم يكن لديها البينة، وهي أربعة شهود، فإن عليها أن تنصحه وتذكره وتخوفه بالله تعالى،فإن استمر في غيه، فلتطلب الطلاق منه، أو تخالعه، لأنه لا خير لها في البقاء معه، ولما قد يترتب على مجامعته لها منمضرة عليها.

والله أعلم.



موقع نداء الإيمان القذف :


قذف الزوجة:

هذه الكلمة من الألفاظ الصريحة في القذف، والقول بعدم قصد معناها ليس مبررا في سقوط أثرها، وحيث إن هذه الكلمةكانت من زوج لزوجته فإن عفت فلا أثر لهذه الكلمة في استمرار الحياة الزوجية، وإن لم تعف فالمسألة من مسائلالخصومة، ومرجع مسائل الخصومة إلى المحكمةوبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء

نائب الرئيس: عبد الرزاق عفيفي

عضو: عبد الله بن عبد الرحمن بن غديان

عضو: عبد الله بن سليمان بن منيع

من الفتوى رقم (302)


مقاضاة القاذف:

قذف المسلم لأخيه لا يجوز، وهو كبيرة من الكبائر، يجب التوبة من ذلك، وطلب العفو من المقذوف، ومن حقه إذا لم يعف أنيطالبه شرعا بحقهوبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء

الرئيس: عبد العزيز بن عبد الله بن باز

نائب الرئيس: عبد الرزاق عفيفي

عضو: عبد الله بن غديان

من الفتوى رقم (13871)


قذف الزوجة زوجها:

حد القذف عام للرجال والنساء؛ لعموم الآية، ولا يسقطه عن الزوجة إلا العفو، ولا عن الزوج إلا العفو أو اللعانوباللهالتوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء

الرئيس: عبد العزيز بن عبد الله بن باز

نائب الرئيس: عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ

عضو: صالح بن فوزان الفوزان

عضو: بكر بن عبد الله أبو زيد

من الفتوى رقم (18911)


الملاعنة خاصة بالرجل إذا وجد زوجته في حالة تلبس بالزنا، وليس لديه شهود، والسبب في ذلك أن المرأة هي التي تحملوبسببها تختلط الأنساب، أما الرجل فليس موضع الحمل، لكن لها أن تشهد عليه إذا وُجد الحاكم المسلم الذي يطبقالحدود، وترفع أمره للقضاء لإقامة الحد..


والستر في مثل هذه الحالة أولى؛ إذن ليس لها أن تلاعن زوجها إذا وجدته يزني مع امرأة أجنبية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق