خبر ذي القرنين:
قال تعالى: { وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرا إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِوَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبا فَأَتْبَعَ سَبَبا حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍحَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْما قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنا قَالَ أَمَّا مَنْظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابا نُكْرا وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحا فَلَهُ جَزَاءًالْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرا ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبا حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَاتَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرا كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرا ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبا حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْما لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلا قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِإِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّا قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْما آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِحَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرا فَمَااسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبا قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُدَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّا } . [الكهف: 83-98] .
ذكر الله تعالى ذا القرنين هذا، وأثنى عليه بالعدل، وأنه بلغ المشارق والمغارب، وملك الأقاليموقهر أهلها، وسار فيهم بالمعدلة التامة، والسلطان المؤيد، المظفر، المنصور، القاهر، المقسط،والصحيح: أنه كان ملكا من الملوك العادلين، وقيل: كان نبيا، وقيل: رسولا، وأغرب من قال: ملكامن الملائكة.
وقد حكى هذا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، فإنه سمع رجلا يقول لآخر: يا ذا القرنين،فقال: مه ما كفاكم أن تتسموا بأسماء الأنبياء، حتى تسميتم بأسماء الملائكة. ذكره السهيلي.
وقد روى وكيع عن إسرائيل، عن جابر، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو قال: كان ذو القرنيننبيا.
وروى الحافظ ابن عساكر من حديث أبي محمد بن أبي نصر، عن أبي إسحاق بن إبراهيم بنمحمد بن أبي ذؤيب، حدثنا محمد بن حماد، أنبأنا عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن أبي ذؤيب،عن المقبري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: « لا أدري أتبع كان لعينا أم لا، ولا أدريالحدود كفارات لأهلها أم لا، ولا أدري ذو القرنين كان نبيا أم لا ». وهذا غريب من هذا الوجه.
وقال إسحاق بن بشر: عن عثمان بن الساج، عن خصيف، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان ذوالقرنين ملكا صالحا، رضي الله عمله، وأثنى عليه في كتابه، وكان منصورا، وكان الخضر وزيره،وذكر أن الخضر عليه السلام كان على مقدمة جيشه، وكان عنده بمنزلة المشاور، الذي هو منالملك بمنزلة الوزير في إصلاح الناس اليوم.
وقد ذكر الأزرقي وغيره أن ذا القرنين أسلم على يدي إبراهيم الخليل، وطاف معه بالكعبة المكرمةهو وإسماعيل عليه السلام.
وروى عن عبيد بن عمير، وابنه عبد الله وغيرهما، أن ذا القرنين حج ماشيا، وأن إبراهيم لما سمعبقدومه تلقاه، ودعا له ورضاه، وأن الله سخر لذي القرنين السحاب يحمله حيث أراد، والله اعلم.
واختلفوا في السبب الذي سمى به ذا القرنين فقيل: لأنه كان له في رأسه شبه القرنين، قال وهببن منبه: كان له قرنان من نحاس في رأسه، وهذا ضعيف.
وقال بعض أهل الكتاب: لأنه ملك فارس والروم، وقيل: لأنه بلغ قرني الشمس غربا وشرقا، وملكما بينهما من الأرض، وهذا أشبه من غيره، وهو قول الزهري. وقال الحسن البصري: كانت لهغديرتان من شعر يطافهما، فسمي ذي القرنين.
وقال إسحاق بن بشر، عن عبد الله بن زياد بن سمعان، عن عمر بن شعيب، عن أبيه، عن جده أنهقال: دعا ملكا جبارا إلى الله فضربه على قرنه فكسره ورضه، ثم دعاه فدق قرنه الثاني فكسره،فسمي ذي القرنين.
وروى الثوري عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي الطفيل، عن علي بن أبي طالب أنه سئل عن ذيالقرنين، فقال: كان عبدا ناصح الله فناصحه، دعا قومه إلى الله فضربوه على قرنه فمات، فأحياهالله فدعا قومه إلى الله فضربوه على قرنه الآخر، فمات فسمي ذا القرنين.
وهكذا رواه شعبة القاسم بن أبي بزة، عن أبي الطفيل، عن علي به. وفي بعض الروايات عنأبي الطفيل عن علي قال: لم يكن نبيا ولا رسولا ولا ملكا، ولكن كان عبدا صالحا.
وقد اختلف في اسمه: فروى الزبير بن بكار عن ابن عباس: كان اسمه عبد الله بن الضحاك بنمعد، وقيل: مصعب بن عبد الله بن قنان بن منصور بن عبد الله بن الأزد بن عون بن نبت بن مالكبن زيد بن كهلان بن سبا بن قحطان.
وقد جاء في حديث: أنه كان من حمير، وأمه رومية، وأنه كان يقال له ابن الفيلسوف لعقله. وقدأنشد بعض الحميريين في ذلك شعرا يفتخر بكونه أحد أجداده، فقال:
قد كان ذو القرنين جدي مسلما * ملكا تدين له الملوك وتحشد
بلغ المشارق والمغارب يبتغي * أسباب أمر من حكيم مرشد
فرأى مغيب الشمس عند غروبها * في عين ذي خلب وثأط حرمد
من بعده بلقيس كانت عمتي * ملكتهم حتى أتاها الهدهد
قال السهيلي: وقيل: كان اسمه مرزبان بن مرزبة. ذكره ابن هشام. وذكر في موضع آخر أناسمه الصعب بن ذي مرائد، وهو أول التبابعة، وهو الذي حكم لإبراهيم في بئر السبع.
وقيل: إنه أفريدون بن أسفيان الذي قتل الضحاك، وفي خطبة قس: يا معشر إياد بن الصعب ذوالقرنين، ملك الخافقين، وأذل الثقلين، وعمر ألفين، ثم كان كلحظة عين، ثم أنشد ابن هشامللأعشى:
والصعب ذو القرنين أصبح ثاويا * بالجنو في جدث أشم مقيما
وذكر الدارقطني، وابن ماكولا أن اسمه هرمس، ويقال: هرويس بن قيطون بن رومى بن لنطىبن كشلوخين بن يونان بن يافث بن نوح، فالله اعلم.
وقال إسحاق بن بشر: عن سعيد بن بشير، عن قتادة، قال اسكندر: هو ذو القرنين، وأبوه أولالقياصرة، وكان من ولد سام بن نوح عليه السلام، فأما ذو القرنين الثاني فهو: اسكندر بنفيلبس بن مصريم بن هرمس بن ميطون بن رومي بن لنطي بن يونان بن يافث بن يونة بنشرخون بن رومة بن شرفط بن توفيل بن رومي بن الأصفر بن يقز بن العيص بن إسحاق بنإبراهيم، الخليل كذا نسبه الحافظ ابن عساكر في تاريخه.
المقدوني اليوناني المصري باني إسكندرية، الذي يؤرخ بأيامه الروم، وكان متأخرا عن الأولبدهر طويل، كان هذا قبل المسيح بنحو من ثلاثمائة سنة، وكان أرطاطاليس الفيلسوف وزيره،وهو الذي قتل دارا بن دارا، وأذل ملوك الفرس، وأوطأ أرضهم.
وإنما نبهنا عليه لأن كثيرا من الناس يعتقد أنهما واحد، وأن المذكور في القرآن، هو الذي كانأرطاطاليس وزيره فيقع بسبب ذلك خطأ كبير، وفساد عريض طويل كثير، فإن الأول: كان عبدامؤمنا صالحا وملكا عادلا، وكان وزيره الخضر، وقد كان نبيا على ما قررناه قبل هذا.
وأما الثاني: فكان مشركا، وكان وزيره فيلسوفا، وقد كان بين زمانهما أزيد من ألفي سنة، فأينهذا من هذا لا يستويان ولا يشتبهان إلا على غبي لا يعرف حقائق الأمور.
فقوله تعالى: { وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ } كان سببه أن قريشا سألوا اليهود عن شيءيمتحنون به علم رسول الله ﷺ، فقالوا لهم: سلوه عن رجل طوَّاف في الأرض، وعن فتية خرجوالا يدري ما فعلوا، فأنزل الله تعالى قصة أصحاب الكهف، وقصة ذي القرنين، ولهذا قال: { قُلْسَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرا } أي: من خبره وشأنه.
{ ذِكْرا } أي: خبرا نافعا كافيا في تعريف أمره، وشرح حاله، فقال: { إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِوَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبا } أي: وسعنا مملكته في البلاد، وأعطيناه من آلات المملكة مايستعين به على تحصيل ما يحاوله من المهمات العظيمة، والمقاصد الجسيمة.
قال قتيبة: عن أبي عوانة، عن سماك، عن حبيب بن حماد، قال: كنت عند علي بن أبي طالب،وسأله رجل عن ذي القرنين كيف بلغ المشرق والمغرب؟
فقال له: سخر له السحاب، ومدت له الأسباب، وبسط له في النور، فكان الليل و النهار عليهسواء.
وقال: أزيدك، فسكت الرجل، وسكت علي رضي الله عنه.
وعن أبي إسحاق السبيعي عن عمرو بن عبد الله الوادعي، سمعت معاوية يقول: ملك الأرضأربعة: سليمان بن داود النبي عليهما السلام، وذو القرنين، ورجل من أهل حلوان، ورجل آخر.
فقيل له الخضر؟
قال: لا.
وقال الزبير بن بكار: حدثني إبراهيم بن المنذر، عن محمد بن الضحاك، عن أبيه، عن سفيانالثوري قال: بلغني أنه ملك الأرض كلها أربعة: مؤمنان وكافران، سليمان النبي، وذو القرنين، ونمرود، وبخت نصر. وهكذا قال سعيد بن بشير سواء.
وقال إسحاق بن بشر: عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن قال: كان ذو القرنين ملكبعد النمرود، وكان من قصته أنه كان رجلا مسلما صالحا، أتى المشرق والمغرب، مدَّ الله له فيالأجل، ونصره حتى قهر البلاد، واحتوى على الأموال، وفتح المدائن، وقتل الرجال، وجال فيالبلاد والقلاع، فسار حتى أتى المشرق والمغرب.
فذلك قول الله: { وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرا } أي: خبرا { إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِيالْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبا } أي: علما بطلب أسباب المنازل.
قال إسحاق: وزعم مقاتل أنه كان يفتح المدائن ويجمع الكنوز، فمن اتبعه على دينه وتابعه عليهوإلا قتله.
وقال ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، وعبيد بن يعلى، والسدي، وقتادة،والضحاك: { وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبا } يعني: علما.
وقال قتادة ومطر الوراق: معالم الأرض ومنازلها وأعلامها وآثارها. وقال عبد الرحمن بن زيد بنأسلم: يعني تعليم الألسنة، كان لا يغزو قوما إلا حدثهم بلغتهم.
والصحيح أنه يعم كل سبب يتوصل به إلى نيل مقصوده في المملكة وغيرها، فإنه كان يأخذ منكل إقليم من الأمتعة والمطاعم والزاد ما يكفيه، ويعينه على أهل الإقليم الآخر.
وذكر بعض أهل الكتاب أنه مكث ألفا وستمائة سنة، يجوب الأرض ويدعو أهلها إلى عبادة اللهوحده لا شريك له، وفي كل هذه المدة نظر، والله أعلم.
وقد روى البيهقي، وابن عساكر حديثا متعلقا بقوله: { وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبا } مطولا جدا،وهو منكر جدا، وفي إسناده محمد بن يونس الكديمي، وهو متهم، فلهذا لم نكتبه لسقوطهعندنا، والله أعلم.
وقوله: { فَأَتْبَعَ سَبَبا } أي: طريقا { حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ } يعني من الأرض انتهى إلىحيث لا يمكن أحدا أن يجاوزه، ووقف على حافة البحر المحيط الغربي الذي يقال له أوقيانوس،الذي فيه الجزائر المسماة بالخالدات، التي هي مبدأ الأطوال على أحد قولي أرباب الهيئة،والثاني من ساحل هذا البحر كما قدمنا، وعنده شاهد مغيب الشمس فيما رآه بالنسبة إلىمشاهدته.
{ تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ } والمراد بها: البحر في نظره، فإن من كان في البحر أو على ساحله يرىالشمس كأنها تطلع من البحر وتغرب فيه، ولهذا قال: { وَجَدَهَا } أي: في نظره، ولم يقل: فإذاهي تغرب في عين حمئة أي: ذات حمأة.
قال كعب الأحبار: وهو الطين الأسود، وقرأه بعضهم: حامية، فقيل: يرجع إلى الأول، وقيل: منالحرارة، وذلك من شدة المقابلة لوهج ضوء الشمس وشعاعها.
وقد روى الإمام أحمد عن يزيد بن هارون، عن العوام بن حوشب: حدثني مولى لعبد الله بنعمرو، عن عبد الله قال: نظر رسول الله ﷺ إلى الشمس حين غابت فقال: « في نار الله الحامية،لولا ما يزعها من أمر الله لأحرقت ما على الأرض ».
فيه غرابة، وفيه رجل مبهم لم يسم، ورفعه فيه نظر، وقد يكون موقوفا من كلام عبد الله بن عمرو،فإنه أصاب يوم اليرموك زاملتين من كتب المتقدمين، فكان يحدث منها، والله أعلم.
ومن زعم من القصَّاص أن ذا القرنين جاوز مغرب الشمس، وصار يمشي بجيوشه في ظلماتمددا طويلة، فقد أخطأوا بعد النجعة، وقال ما يخالف العقل والنقل.
»——(¯` تابع ´¯)——»
بيان طلب ذي القرنين عين الحياة
وقد ذكر ابن عساكر من طريق وكيع، عن أبيه، عن معتمر بن سليمان، عن أبي جعفر الباقر، عنأبيه زين العابدين خبرا مطولا جدا فيه: أن ذا القرنين كان له صاحب من الملائكة يقال له رناقيل،فسأله ذو القرنين هل تعلم في الأرض عينا يقال لها عين الحياة؟
فذكر له صفة مكانها، فذهب ذو القرنين في طلبها، وجعل الخضر على مقدمته، فانتهى الخضرإليها في واد في أرض الظلمات، فشرب منها ولم يهتد ذو القرنين إليها.
وذكر اجتماع ذي القرنين ببعض الملائكة في قصر هناك، وأنه أعطاه حجرا، فلما رجع إلىجيشه سأل العلماء عنه، فوضعوه في كفة ميزان وجعلوا في مقابلته ألف حجر مثله فوزنها،حتى سأل الخضر فوضع قباله حجرا وجعل عليه حفنة من تراب فرجح به.
وقال: هذا مثل ابن آدم لا يشبع حتى يوارى بالتراب، فسجد له العلماء تكريما له وإعظاما، واللهأعلم.
ثم ذكر تعالى أنه حكم في أهل تلك الناحية: { قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْحُسْنا * قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابا نُكْرا } [الكهف: 86- 87] أي: فيجتمع عليه عذاب الدنيا والآخرة، وبدأ بعذاب الدنيا لأنه أزجر عند الكافر.
{ وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرا } [الكهف: 89] فبدأبالأهم وهو ثواب الآخرة، وعطف عليه الإحسان منه إليه، وهذا هو العدل والعلم والإيمان.
قال الله تعالى: { ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبا } أي: سلك طريقا راجعا من المغرب إلى المشرق، فيقال: إنه رجعفي ثنتي عشر سنة { حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَاسِتْرا }
أي: ليس لهم بيوت ولا أكنان يستترون بها من حر الشمس، قال كثير من العلماء: ولكن كانوايأوون إذا اشتد عليهم الحر إلى أسراب قد اتخذوها في الأرض شبه القبور.
قال الله تعالى: { كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرا } أي: ونحن نعلم ما هو عليه ونحفظه ونكلؤهبحراستنا في مسيره ذلك كله من مغارب الأرض إلى مشارقها.
وقد روي عن عبيد بن عمير، وابنه عبد الله، وغيرهما من السلف: أن ذا القرنين حج ماشيا، فلماسمع إبراهيم الخليل بقدومه تلقاه، فلما اجتمعا دعا له الخليل ووصاه بوصايا، ويقال: إنهجيء بفرس ليركبها فقال: لا أركب في بلد فيه الخليل، فسخر الله له السحاب وبشره إبراهيمبذلك، فكانت تحمله إذا أراد.
وقوله تعالى: { ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبا * حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْما لَا يَكَادُونَيَفْقَهُونَ قَوْلا } [الكهف: 92-93] يعني غشما. يقال: إنهم هم الترك أبناء عم يأجوج ومأجوج. فذكروا له أن هاتين القبيلتين قد تعدوا عليهم وأفسدوا في بلادهم، وقطعوا السبل عليهم،وبذلوا له حملا وهو الخراج، على أن يقيم بينهم وبينهم حاجزا يمنعهم من الوصول إليهم،فامتنع من أخذ الخراج اكتفاء بما أعطاه الله من الأموال الجزيلة.
{ قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ } ثم طلب منهم أن يجمعوا له رجالا وآلات ليبني بينهم وبينهمسدا، وهو الردم بين الجبلين وكانوا لا يستطيعون الخروج إليهم إلا من بينهما، وبقية ذلك بحارمغرقة وجبال شاهقة، فبناه كما قال تعالى من الحديد والقطر وهو النحاس المذاب، وقيل:الرصاص. والصحيح: الأول.
فجعل بدل اللبن حديدا، وبدل الطين نحاسا، ولهذا قال تعالى: { فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ } أي:يعلوا عليه بسلالم ولا غيرها { وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبا } أي: بمعاول ولا فؤوس ولا غيرها. فقابلالأسهل بالأسهل والأشد بالأشد.
{ قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي } أي: قدر الله وجوده ليكون رحمة منه بعباده أن يمنع بسببه عدوانهؤلاء القوم على من جاورهم في تلك المحلة.
{ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي } أي: الوقت الذي قدر خروجهم على الناس في آخر الزمان { جَعَلَهُ دَكَّاءَ } أي: مساويا للأرض ولا بد من كون هذا. ولهذا قال: { وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّا } .
كما قال تعالى: { حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُالْحَقُّ... } الآية [الأنبياء: 96-97] .
ولهذا قال ههنا: { وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ } يعني: يوم فتح السد علىالصحيح.
{ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعا } وقد أوردنا الأحاديث المروية في خروج يأجوج ومأجوجفي التفسير، وسنوردها إن شاء الله في كتاب الفتن والملاحم من كتابنا هذا إذا انتهينا إليه،بحول الله وقوته وحسن توفيقه ومعونته وهدايته.
قال أبو داود الطيالسي، عن الثوري: بلغنا أن أول من صافح ذو القرنين، وروي عن كعب الأحبارأنه قال لمعاوية: إن ذا القرنين لما حضرته الوفاة أوصى أمه إذا هو مات أن تصنع طعاما وتجمعنساء أهل المدينة، وتضعه بين أيديهن، وتأذن لهن فيه إلا من كانت ثكلى فلا تأكل منه شيئا،فلما فعلت ذلك لم تضع واحدة منهن يدها فيه، فقالت لهن: سبحان الله كلكن ثكلى؟ فقلن: إيوالله، ما منا إلا من أثكلت، فكان ذلك تسلية لأمه.
وذكر إسحاق بن بشر، عن عبد الله بن زياد، عن بعض أهل الكتاب وصية ذي القرنين وموعظةأمه موعظة بليغة طويلة فيها حكم وأمور نافعة، وأنه مات وعمره ثلاثة آلاف سنة، وهذا غريب.
قال ابن عساكر: وبلغني من وجه آخر أنه عاش ستا وثلاثين سنة.
وقيل: كان عمره ثنتين وثلاثين سنة، وكان بعد داود بسبعمائة سنة وأربعين سنة، وكان بعد آدمبخمسة آلاف ومائة وإحدى وثمانين سنة، وكان ملكه ست عشرة سنة.
وهذا الذي ذكره إنما ينطبق على إسكندر الثاني لا الأول، وقد خلط في أول الترجمة وآخرهابينهما، والصواب التفرقة كما ذكرنا اقتداء بجماعة من الحفاظ، والله أعلم.
وممن جعلهما واحدا الإمام عبد الملك بن هشام راوي السيرة، وقد أنكر ذلك عليه الحافظ أبوالقاسم السهيلي رحمه الله إنكارا بليغا، ورد قوله ردا شنيعا، وفرق بينهما تفريقا جيدا كماقدمنا قال: ولعل جماعة من الملوك المتقدمين تسموا بذي القرنين تشبها بالأول، والله أعلم.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق