قال سبحانه وتعالى :
{ فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٢٩) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٣٠)} [ سورة القصص ]
قال القرطبي فيه ثلاث مسائل :
الأولى: قوله تعالى: { فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى ٱلأَجَلَ } قال سعيد بن جبير: سألني رجل من النصارى أي الأجلين قضى موسى. فقلت: لا أدري حتى أقدم على حبر العرب فأسأله ـ يعني ابن عباس ـ فقدمت عليه فسألته؛ فقال: قضى أكملهما وأوفاهما. فأعلمت النصراني فقال: صدق والله هذا العالم. وروي عن ابن عباس أن النبيّ صلى الله عليه وسلم سأل في ذلك جبريل فأخبره أنه قضى عشر سنين. وحكى الطبريّ عن مجاهد أنه قضى عشراً وعشراً بعدها؛ قال ابن عطية: وهذا ضعيف. الثانية: قوله تعالى: { وَسَارَ بِأَهْلِهِ } قيل: فيه دليل على أن الرجل يذهب بأهله حيث شاء؛ لما لَهُ عليها من فضل القوّامية وزيادة الدرجة إلا أن يلتزم لها أمراً فالمؤمنون عند شروطهم، وأحق الشروط أن يوفى به ما استحللتم به الفروج.
الثالثة: قوله تعالى: { آنَسَ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ نَاراً } الآية. تقدّم القول في ذلك في «طه». والجِذوة بكسر الجيم قراءة العامة، وضمها حمزة ويحيـى، وفتحها عاصم والسُّلَمي وزرّ بن حُبيش. قال الجوهري: الجِذْوة والْجُذْوَة والْجَذْوَةُ الجمرة الملتهبة والجمع جِذاً وجُذاً وجَذاً. قال مجاهد في قوله تعالى: { أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ ٱلنَّارِ } أي قطعة من الجمر؛ قال: وهي بلغة جميع العرب. وقال أبو عبيدة: والجِذْوة مثل الجِذمة وهي القطعة الغليظة من الخشب كان في طرفها نار أو لم يكن.
قال ابن مقبل:
بَاتَتْ حَوَاطِبُ لَيْلَى يَلْتَمِسْنَ لَهَا جَزْلَ الْجِذَا غَيْرَ خَوّارٍ وَلا دَعِرِ
وقال:
وَأَلْقَى على قَيْسٍ منَ النَّار جِذْوَةً شديداً عليها حَمْيُها ولهيبُها
قوله تعالى: { فَلَمَّآ أَتَاهَا } يعني الشجرة قدم ضميرها عليها. { نُودِيَ مِن شَاطِىءِ ٱلْوَادِي } { مِن } الأولى والثانية لابتداء الغاية، أي أتاه النداء من شاطىء الوادي من قبل الشجرة. و { مِنَ الشَّجَرَةِ } بدل من قوله: { مِنْ شَاطِىءِ الْوَادِ } بدل الاشتمال؛ لأن الشجرة كانت نابتة على الشاطىء، وشاطىء الوادي وشطه جانبه، والجمع شُطَّان وشواطىء، ذكره القشيري. وقال الجوهري: ويقال شاطىء الأودية ولا يجمع. وشاطأت الرجل إذا مشيت على شاطىء ومشى هو على شاطىء آخر. { ٱلأَيْمَنِ } أي عن يمين موسى. وقيل: عن يمين الجبل. { فِي ٱلْبُقْعَةِ ٱلْمُبَارَكَةِ } وقرأ الأشهب العقيلي: { فِي الْبَقْعَةِ } بفتح الباء. وقولهم بِقعا يدلّ على بَقْعة؛ كما يقال جَفْنة وجِفَان. ومن قال بُقْعة قال بُقَع مثل غُرْفة وغُرَف. { مِنَ ٱلشَّجَرَةِ } أي من ناحية الشجرة. قيل: كانت شجرة العلَّيق. وقيل: سَمُرة وقيل: عَوْسج. ومنها كانت عصاه؛ ذكره الزمخشري. وقيل: عُنَّاب، والعَوْسج إذا عظم يقال له الغَرْقَد. وفي الحديث: إنه من شجر اليهود فإذا نزل عيسى وقتل اليهود الذين مع الدّجال فلا يختفي أحد منهم خلف شجرة إلا نطقت وقالت يا مسلم هذا يهودي ورائي تعال فاقتله إلا الغَرْقَد فإنه من شجر اليهود فلا ينطق. خرجه مسلم. قال المهدوي: وكلم الله تعالى موسى عليه السلام من فوق عرشه وأسمعه كلامه من الشجرة على ما شاء. ولا يجوز أن يوصف الله تعالى بالانتقال والزوال وشِبه ذلك من صفات المخلوقين. قال أبو المعالي: وأهل المعاني وأهل الحق يقولون مَن كلمه الله تعالى وخصّه بالرتبة العليا والغاية القصوى، فيدرك كلامه القديم المتقدس عن مشابهة الحروف والأصوات والعبارات والنغمات وضروب اللغات، كما أن مَن خصه الله بمنازل الكرامات وأكمل عليه نعمته، ورزقه رؤيته يرى الله سبحانه منزّهاً عن مماثلة الأجسام وأحكام الحوادث، ولا مثل له سبحانه في ذاته وصفاته، وأجمعت الأمة على أن الرب تعالى خصص موسى عليه السلام وغيره من المصطفين من الملائكة بكلامه. قال الأستاذ أبو إسحاق: اتفق أهل الحق على أن الله تعالى خلق في موسى عليه السلام معنى من المعاني أدرك به كلامه كان اختصاصه في سماعه، وأنه قادر على مثله في جميع خلقه. واختلفوا في نبينا عليه السلام هل سمع ليلة الإسراء كلام الله، وهل سمع جبريل كلامه على قولين؛ وطريق أحدهما النقل المقطوع به وذلك مفقود، واتفقوا على أن سماع الخلق له عند قراءة القرآن على معنى أنهم سمعوا العبارة التي عرفوا بها معناه دون سماعه له في عينه. وقال عبد الله بن سعد بن كلاب: إن موسى عليه السلام فهم كلام الله القديم من أصوات مخلوقة أثبتها الله تعالى في بعض الأجسام. قال أبو المعالي: وهذا مردود؛ بل يجب اختصاص موسى عليه السلام بإدراك كلام الله تعالى خرقاً للعادة، ولو لم يُقَلَ ذلك لم يكن لموسى عليه السلام اختصاص بتكليم الله إياه.
والرب تعالى أسمعه كلامه العزيز، وخلق له علماً ضرورياً، حتى علم أن ما سمعه كلام الله، وأن الذي كلّمه وناداه هو الله رب العالمين. وقد ورد في الأقاصيص أن موسى عليه السلام قال: سمعت كلام ربي بجميع جوارحي، ولم أسمعه من جهة واحدة من جهاتي. وقد مضى هذا المعنى في «البقرة» مستوفى. { أَن يٰمُوسَىٰ } { أَنْ } في موضع نصب بحذف حرف الجر أي بـ { ـأَنْ يَا مُوسَى }. { إِنِّيۤ أَنَا ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ } نفى لربوبية غيره سبحانه. وصار بهذا الكلام من أصفياء الله عز وجل لا من رسله؛ لأنه لا يصير رسولاً إلا بعد أمره بالرسالة، والأمر بها إنما كان بعد هذا الكلام.
قال الطبري :
فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب الطور نارا قال لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم تصطلون القول في تأويل قوله تعالى: {فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله أنس من جانب الطور نارا} .يقول تعالى ذكره: فلما وفى موسى صاحبه الأجل الذي فارقه عليه، عند إنكاحه إياه ابنته، وذكر أن الذي وفاه من الأجلين، أتمهما وأكملهما، وذلك العشر الحجج، على أن بعض أهله العلم قد روي عنه أنه قال: زاد مع العشر عشرا أخرى.ذكر من قال: الذي قضى من ذلك هو الحجج العشر:٢٠٨٧٣ - حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، قال: سألت ابن عباس: أي الأجلين قضى موسى؟قال: خيرهما وأوفاهما.حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس سئل: أي الأجلين قضى موسى؟قال: أتمهما وأخيرهما.حدثني محمد بن عمارة، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: ثنا موسى بن عبيدة، عن أخيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قضى موسى آخر الأجلين.حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن عبيدة، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، سئل ابن عباس: أي الأجلين قضى موسى؟قال: أتمهما وأوفاهما.حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثني ابن إسحاق، عن حكيم بن جبير، عن سعيد بن جبير، قال: قال يهودي بالكوفة وأنا أتجهز للحج: إني أراك رجلا تتتبع العلم، أخبرني أي الأجلين قضى موسى؟قلت: لا أعلم، وأنا الآن قادم على حبر العرب يعني ابن عباس، فسائله عن ذلك؛ فلما قدمت مكة سألت ابن عباس عن ذلك وأخبرته بقول اليهودي، فقال ابن عباس: قضى أكثرهما وأطيبهما، إن النبي إذا وعد لم يخلف، قال سعيد: فقدمت العراق فلقيت اليهودي، فأخبرته، فقال: صدق، وما أنزل على موسى هذا، والله العالم.قال: ثنا يزيد، قال: ثنا الأصبغ بن زيد، عن القاسم بن أبي أيوب، عن سعيد بن جبير، قال: سألني رجل من أهل النصرانية: أي الأجلين قضى موسى؟قلت: لا أعلم، وأنا يومئذ لا أعلم، فلقيت ابن عباس، فذكرت له الذي سألني عنه النصراني، فقال: أما كنت تعلم أن ثمانيا واجب عليه، لم يكن نبي الله نقص منها شيئا، وتعلم أن الله كان قاضيا عن موسى عدته التي وعده، فإنه قضى عشر سنين.حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {فلما قضى موسى الأجل} قال: حدث ابن عباس، قال: رعى عليه نبي الله أكثرها وأطيبها.٢٠٨٧٤ - حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن أبي معشر، عن محمد بن كعب القرظي، قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الأجلين قضى موسى؟قال: "أوفاهما وأتمهما " .٢٠٨٧٥ - حدثنا أحمد بن محمد الطوسي، قال: ثنا الحميدي أبو بكر بن عبد الله بن الزبير، قال: ثنا سفيان، قال: ثني إبراهيم بن يحيى بن أبي يعقوب، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "سألت جبرائيل: أي الأجلين قضى موسى؟قال: أتمهما وأكملهما " .٢٠٨٧٦ - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال مجاهد: إن النبي صلى الله عليه وسلم سأل جبرائيل: "أي الأجلين قضى موسى؟قال سوف أسال إسرافيل، فسأله فقال: سوف أسأل الله تبارك وتعالى، فسأله، فقال: أبرهما وأوفاهما " .ذكر من قال: قضى العشر الحجج وزاد على العشر عشرا أخرى:٢٠٨٧٧ - حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {فلما قضى موسى الأجل} قال: عشر سنين، ثم مكث بعد ذلك عشرا أخرى.حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: {قضى موسى الأجل} عشر سنين، ثم مكث بعد ذلك عشرا أخرى.٢٠٨٧٨ - حدثني المثنى، قال: ثنا معاذ بن هشام، قال: ثنا أبي، عن قتادة، قال: ثنا أنس، قال: لما دعا نبي الله موسى صاحبه إلى الأجل الذي كان بينهما، قال له صاحبه: كل شاة ولدت على غير لونها فلك ولد، فعمد، فرفع خيالا على الماء، فلما رات الخيال، فزعت، فجالت جولة فولدن كلهن بلقا، إلا شاة واحدة، فذهب بأولادهن ذلك العام.قوله: {وسار بأهله آنس من جانب الطور نارا} يقول تعالى ذكره: {فلما قضى موسى الأحل وسار بأهله} شاخصا بهم إلى منزله من مصر {آنس من جانب الطور} يعني بقوله: آنس: ابصر وأحسن كما قال العجاج:آنس خـربان فضاء فانكدر دانى جناحيه من الطور فمرويتحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.وقد ذكرنا الرواية بذلك فيما مضى قبل، غير أنا نذكر ها هنا بعض ما لم نذكر قبل. ذكر من قال ذلك:٢٠٨٧٩ - حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {آنس من جانب الطور نارا قال لأهله: امكثوا إني آنست نارا} : أي أحالسلام عليكم ورحمة الله وبركاتهت نارا.وقد بينا معنى الطور فيما مضى بشواهده، وما فيه من الرواية عن أهل التأويل.قوله: {لأهله امكثوا إني آنست نارا} يقول: قال موسى لأهله: تمهلوا وانتظروا: إني أبصرت نارا {لعلي آتيكم منها} يعني من النار {بخبر أو جذوة من النار} يقول: أو آتيكم بقطعة غليظة من الحطب فيها النار، وهي مثل الجذمة من أصل الشجرة؛ ومنه قول ابن مقبل:باتت حواطب ليلى يلتمسن لها جزل الجذا غير خوار ولا دعروفي الجذوة لغات للعرب ثلاث: جذوة بكسر الجيم، وبها قرأت قراء الحجاز والبصرة وبعض أهل الكوفة، وهي أشهر اللغات الثلاث فيها: وجذوة بفتح الجيم، وبها قرأ أيضا بعض قراء الكوفة. وهذه اللغات الثلاث وإن كن مشهورات في كلام العرب، فالقراءة بأشهرها أعجب إلي، وإن لم أنكر قراءة من قرأ بغير الأشهر منهن.وبنحو الذي قلنا في معنى الجذوة قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:٢٠٨٨٠ - حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية عن علي، عن ابن عباس، قوله {أو جذوة من النار} يقول شهاب.٢٠٨٨١ - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {أو جذوة} والجذوة: أصل شجرة فيها نار.حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قتادة، قوله {إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار} قال: أصل الشجرة في طرفها النار، فذلك قوله {أو جذوة} قال: السعف فيه النار. قال معمر، وقال قتادة {أو جذوة} : أو شعلة من النار.٢٠٨٨٢ - حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله {أو جذوة من النار} قال: أصل شجرة.حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد {أو جذوة من النار} قال: أصل شجرة.٢٠٨٨٣ - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله {أو جذوة من النار} قال: الجذوة: العود من الحطب الذي فيه النار، ذلك الجذوة.قوله: {لعلكم تصطلون} يقول: لعلكم تسخنون بها من البرد، وكان في شتاء.
فلما أتاها نودي من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين القول في تأويل قوله تعالى: {فلما أتاها نودي من شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين} .يقول تعالى ذكره: فلما أتى موسى النار التي {أنس من جانب الطور} {نودي من شاطئ الواد الأيمن} يعني بالشاطئ: الشط، وهو جانب الوادي وعدوته، والشاطئ يجمع شواطئ وشطآن. والشط: الشطوط. والأيمن: نعت من الشاطئ عن يمين موسى.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:20884 - حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله {من شاطئ الواد الأيمن} قال ابن عمرو في حديثه عند الطور. وقال الحارث في حديثه من شاطئ الوادي الأيمن عند الطور عن يمين موسى.حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن حريج، عن مجاهد {فلما أتاها نودي من شاطئ الواد الأيمن} قال: شق الوادي عن يمين موسى عند الطور.قوله: {في البقعة المباركة} من صلة الشاطئ.وتأويل الكلام: فلما أتاها نادى الله موسى من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة منه من الشجرة: {أذ يا موسى إني أنا الله رب العالمين} .وقيل: إن معنى قوله {من الشجرة} : عند الشجرة. ذكر من قال ذلك:20885 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله {فلما أتاها نودي من شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة} قال: نودي من عند الشجرة {أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين} .وقيل: إن الشجرة التي نادى موسى منها ربه: شجرة عوسج. وقال بعضهم: بل كانت شجرة العليق. ذكر من قال ذلك:20886 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني أبو سفيان، عن معمر، عن قتادة، في قوله {البقعة المباركة من الشجرة} قال: الشجرة عوسج. قال معمر، عن قتادة: عصا موسى من العوسج؛ والشجرة من العوسج.20887 - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن بعض من لا يتهم، عن بعض أهل العلم {إني آنست نارا} قال: خرج نحوها، فإذا هي شجرة من العليق، وبعض أهل الكتاب يقول: هي عوسجة.20888 - حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله قال: رأيت الشجرة التي نودي منها موسى عليه السلام، شجرة سمراء خضراء ترف.
أيسر التفاسير
{آنَسَ} {آنَسْتُ} {آتِيكُمْ}
فَلَمَّا أَوْفَى مُوسَى الأَجَلَ المُتَّفَقَ عَلَيهِ، سَارَ بأَهْلِهِ مِنْ مَدْيَنَ باتَّجَاهِ مِصْرَ، لِزِيَارَةِ أَهلِهِ خِفْيَةً مِنْ فِرْعَوْنَ، فَسَلَكَ بِهِم فِي لَيلَةٍ مَطِيرَةٍ حَالِكَةِ الظَّلامِ، شَدِيدَةِ البَرْدِ، فَنَزَلَ مَنْزِلاً، فَجَعَلَ كُلَّمَا أَوْرَى زَنْدَهُ، لا يَظْهَرُ منْهُ شَرَرٌ، فَتَعَجَّبَ. فَبَينَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ رَاى نَاراً تُضِيءُ عَنْ بُعدٍ مِنْ جَانِبِ جَبَل الطُّورِ، فَقَالَ لأَهِلِهِ: ابقُوا حَيْثُ أَنْتُمْ (امْكُثُوا) حَتَّى أَذْهَبَ إِلى النَّارِ لَعَلِّي أَسلُ مَنْ عَلَيها مِنَ النَّاسِ عَنِ الطَّرِيقِ، أَوْ آتِيكُمْ بِقَبَسٍ مِنَ النَّارِ (جَذْوَةٍ أو قِطْعَةٍ) أَوقِدُ لَكُمْ بِهِ نَاراً تَسْتَدْفِئُونَ بِهَا.
آنَسَ- أَبْصَرَ بِوُضُوحٍ.
جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ- عُودٍ فيهِ نَارٌ، بِلا لَهَبٍ.
تَصْطَلُونَ- تَسْتَدْفِئُونَ بِهَا مِنَ البَرْدِ.
{أَتَاهَا} {شَاطِىءِ} {الوادي} {المباركة} {ياموسى} {العالمين}
فَلَمَّا جَاءَ مُوسَى النَّارَ التِي أَبْصَرَهَا عَنْ بُعْدٍ نُودِي مِنْ جَانِبِ الوَادي، (مِمَّا يَلِي الجَبَلَ عَنْ يَمِينِهِ، مِنْ نَاحِيَةِ الغَرْبِ، كَمَا جَاءَ في آيةِ أُخرى)- فَلَمَّا اقتَرَبَ مُوسَى وَجَدَ النَّارَ تَشْتَعِلُ في شَجَرَةٍ خَضْرَاءَ في لِحْفِ جبلٍ، مِمَّا يَلِي الوَادِي، فَوقَفَ مُوسَى بَاهِتاً مُتَحَيِّراً في أَمرِها، فَنَادَاهُ رَبُّهُ: إِنَّ الذِي يُكَلِّمًكَ هُوَ اللهُ رَبُّكَ وَرَبُّ العَالَمِينَ، الفَعَّالُ لِمَا يَشَاءُ.
قال ابن كثير
قد تقدم في تفسير الآية قبلها أن موسى عليه السلام ، قضى أتم الأجلين وأوفاهما وأبرهما وأكملهما وأنقاهما ، وقد يستفاد هذا أيضا من الآية الكريمة من قوله : ( فلما قضى موسى الأجل ) أي : الأكمل منهما ، قال ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : قضى عشر سنين ، وبعدها عشرا أخر . وهذا القول لم أره لغيره ، وقد حكاه عنه ابن جرير ، وابن أبي حاتم ، وقوله : ( وسار بأهله ) قالوا : كان موسى قد اشتاق إلى بلاده وأهله ، فعزم على زيارتهم في خفية من فرعون وقومه ، فتحمل بأهله وما كان معه من الغنم التي وهبها له صهره ، فسلك بهم في ليلة مطيرة مظلمة باردة ، فنزل منزلا فجعل كلما أورى زنده لا يضيء شيئا ، فتعجب من ذلك ، فبينما هو كذلك [ إذ ] ( آنس من جانب الطور نارا ) أي : رأى نارا تضيء له على بعد ، ( قال لأهله امكثوا إني آنست نارا ) أي : حتى أذهب إليها ، ( لعلي آتيكم منها بخبر ) . وذلك لأنه قد أضل الطريق ، ( أو جذوة من النار ) أي : قطعة منها ، ( لعلكم تصطلون ) أي : تتدفئون بها من البرد .
قال الله تعالى : ( فلما أتاها نودي من شاطئ الواد الأيمن ) أي : من جانب الوادي مما يلي الجبل عن يمينه من ناحية الغرب ، كما قال تعالى : ( وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر ) ، فهذا مما يرشد إلى أن موسى قصد النار إلى جهة القبلة ، والجبل الغربي عن يمينه ، والنار وجدها تضطرم في شجرة خضراء في لحف الجبل مما يلي الوادي ، فوقف باهتا في أمرها ، فناداه ربه : ( من شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة ) ، قال ابن جرير : حدثنا ابن وكيع ، حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن عمرو بن مرة ، عن أبي عبيدة ، عن عبد الله قال : رأيت الشجرة التي نودي منها موسى ، عليه السلام ، سمرة خضراء ترف . إسناده مقارب ، وقال محمد بن إسحاق ، عن بعض من لا يتهم ، عن وهب بن منبه قال : شجرة من العليق ، وبعض أهل الكتاب يقول : من العوسج . وقال قتادة : هي من العوسج ، وعصاه من العوسج .
وقوله تعالى : ( أن ياموسى إني أنا الله رب العالمين ) أي : الذي يخاطبك ويكلمك هو رب العالمين ، الفعال لما يشاء ، لا إله غيره ، ولا رب سواه ، تعالى وتقدس وتنزه عن مماثلة المخلوقات في [ ص: 235 ] ذاته وصفاته ، وأقواله وأفعاله سبحانه !
في الميسر :
فلما وفى نبي الله موسى -عليه السلام- صاحبه المدة عشر سنين, وهي أكمل المدتين, وسار بأهله إلى "مصر" أبصر من جانب الطور نارًا, قال موسى لأهله: تمهلوا وانتظروا إني أبصرت نارًا; لعلي آتيكم منها بنبأ, أو آتيكم بشعلة من النار لعلكم تستدفئون بها ، فلما أتى موسى النار ناداه الله من جانب الوادي الأيمن لموسى في البقعة المباركة من جانب الشجرة: أن يا موسى إني أنا الله رب العالين .
وفي الجلالين :
{ فَلَمَّا قَضَى مُوسَى ٱلأَجَلَ } أي رعيه وهو ثمان أو عشر سنين وهو المظنون به { وَسَارَ بِأَهْلِهِ } زوجته بإذن أبيها نحو مصر { ءَانَسَ } أبصر من بعيد { مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ } اسم جبل { نَاراً قَالَ لأَهْلِهِ ٱمْكُثُواْ } هنا { إِنِّى ءَانَسْتُ نَاراً لَّعَلِى ءَاتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ } عن الطريق وكان قد أخطأها { أَوْ جَذْوَةٍ } بتثليث الجيم قطعة وشعلة { مّنَ ٱلنَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ } تستدفئون، والطاء بدل من تَاء الافتعال من صلي بالنار بكسر اللام وفتحها.
{ فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِىَ مِن شاطِىءِ } جانب { ٱلْوَادِ ٱلأَيْمَانِ } لموسى { فِى ٱلْبُقْعَةِ ٱلْمُبَارَكَةِ } بسماعه كلام الله فيها { مِنَ ٱلشَّجَرَةِ } بدل من شاطىء بإعادة الجار لنباتها فيه وهي شجرة (عُنَّاب) أو (عُلَّيق) أو (عوسج) { أن } مفسرة لا مخففة { يامُوسَى إِنِّى أَنَا ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ }.
وقال السعدي
فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ يحتمل أنه قضى الأجل الواجب، أو الزائد عليه، كما هو الظن بموسى ووفائه، اشتاق إلى الوصول إلى أهله ووالدته وعشيرته، ووطنه، وعلم من طول المدة، أنهم قد تناسوا ما صدر منه. ( سَارَ بِأَهْلِهِ ) قاصدا مصر، آنَسَ أي: أبصر مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ وكان قد أصابهم البرد، وتاهوا الطريق.
فلما أتاها نودي يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (30) فأخبر بألوهيته وربوبيته، ويلزم من ذلك، أن يأمره بعبادته، وتألهه، كما صرح به في الآية الأخرى فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي .
والله اعلم .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق